استقبال صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله
لمكتب المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي
بالقصر الملكي بالدار البيضاء
الثلاثاء 20 ماي 2015


كلمة رئيس المجلس 

في تقديم الرؤية الاستراتيجية للإصلاح
"من أجل مدرسة الإنصاف والجودة
 والارتقاء الفردي والمجتمعي"
2015-2030


باسم الله الرحمان الرحيم

نعم سيدي أعزك الله،


السلام على مقامكم العالي بالله، ورحمته تعالى وبركاته.  

يتشرف خديمكم الوفي، باسمه، ونيابة عن جميع أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أن يعرب لجلالتكم عن خالص الشكر وعميق الامتنان، على الانشغال الدائم والعناية الموصولة التي ما فتئتم تولونها للنهوض بالمدرسة المغربية، لتكون مؤهلة للأجيال الصاعدة، ودعامة لترسيخ المشروع المجتمعي، الذي تقوده جلالتكم بكامل الحكمة والتبصر.
اسمحوا لي يا مولاي أن أذكر في البداية بأنه خلال خطابكم السامي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الخريفية للبرلمان، تفضلت جلالتكم بدعوة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، إلى وضع خارطة طريق كفيلة بإصلاح المدرسة المغربية والرفع من مردوديتها.
منذ ذلك التاريخ، كرس المجلس بعزم والتزام ووعي بالمسؤولية كل جهوده لإنجاز هذه المهمة، وفق مقاربة تشاركية فعلية وعمل جماعي متواصل.
تجدر الإشارة إلى أن هذا العمل قام به المجلس بتقيد تام بالبعد الاستراتيجي المميز لمهامه الدستورية، وفي احترام كامل لصلاحيات القطاعات الحكومية المكلفة بإعداد السياسات العمومية في مجال التربية، ووضع المخططات العملية والبرامج الإجرائية.
ولقد تـوج هذا العمل، يا مولاي، ببلورة عدة رافعات استراتيجية للتجديد، تتمثل رهاناتها الكبرى في ترسيخ مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص، ومدرسة الجودة للجميع، ومدرسة الارتقاء الفردي والمجتمعي.
انطلاقا من هذه الرؤية، فإن تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص يستدعي من بين ما يستدعيه: 
- جعل التعليم الأولي إلزاميا للدولة والأسر، ودمجه التدريجي في سلكالابتدائي؛
- تخويل التمدرس بالأوساط القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص تمييزاً إيجابيا، لاستدراك جوانب النقص والتعثر؛
- تأمين الحق في ولوج التربية والتعليم والتكوين لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة أو في وضعيات خاصة؛
- تعزيز إسهام التعليم الخصوصي بوصفه شريكا للقطاع العمومي في مجهود التعميم المنصف للتعليم؛
- بذل أقصى الجهود لضمان المواظبة واستدامة التعلم، والتصدي لكل أنواع الهدر والانقطاع والتكرار.
أما تحقيق الجودة للجميع، فإنه يقتضي من بين ما يقتضيه:

أولا، إعادة النظر في مهن التربية والتكوين، في اتجاه تحسين معايير ولوجها وتجديد أدوارها ومهامها، وإتقان تكوين هيئاتها، وتأهيلها المستمر؛

ثانيا، إعادة النظر في المناهج والبرامج والطرائق البيداغوجية، في اتجاه تخفيفها وتنويعها، وتوجيهها نحو البناء الفكري للمتعلم والمتعلمة، وتنمية مهارات الملاحظة والتحليل والتفكير النقدي لديهما؛

ثالثا، اعتماد هندسة لغوية جديدة، ترتكز على التعددية اللغوية والتناوب اللغوي. تتوخى:
- استفادة المتعلمين، بفرص متكافئة من ثلاث لغات في التعليم الأولي والابتدائي؛ هي العربية كلغة أساسية، والأمازيغية كلغة التواصل، والفرنسية كلغة الانفتاح، تضاف إليها الإنجليزية ابتداء من السنة الأولى إعدادي، ولغة أجنبية أخرى اختيارية منذ السنة الأولى ثانوي تأهيلي؛
- كما تتوخى تنويع لغات التدريس، بالإعمال التدريجي للتناوب اللغوي كآلية لتعزيز التمكن من اللغات عن طريق التدريس بها، وذلك بتعليم بعض المضامين والمجزوءات، في بعض المواد، باللغة الفرنسية ابتداء من الإعدادي، والإنجليزية ابتداء من الثانوي التأهيلي؛ وهذا ما سيجعل الحاصل على البكالوريا متمكنا من اللغتين العربية والأمازيغية، ومن لغتين أجنبيتين على الأقل؛ 
رابعا، تثمين التكوين المهني، والتوسيع المستمر لطاقته الاستيعابية، والاعتراف بدوره ومكانته، باعتباره فضاء خصبا للمهارات الفردية الكفيلة بالاستجابة لمتطلبات النمو التنافسي للاقتصاد بصفة عامة، ولحاجيات المقاولة وسوق الشغل على وجه التحديد.
خامسا، اعتماد قواعد الحكامة الجيدة المبنية على النجاعة والفعالية، التي ترتكز على ترسيخ المسؤولية لدى الفاعلين، والتقائية السياسيات العمومية، وترشيد الموارد والوسائل، ونهج اللامركزية في انسجام مع الجهوية المتقدمة.    
سادسا، النهوض الفعال والمستمر بالجامعة وبالبحث العلمي والابتكار، وجعلهما في خدمة التنمية والانخراط في مجتمع المعرفة.
وفيما يتعلق بمدرسة الارتقاء الفردي والمجتمعي، التي تجسد الأثر الملموس للمدرسة، فإن الرؤية الاستراتجية للمجلس تؤكد على ضرورة التمسك بالثوابت والقيم الدينية والوطنية لبلادنا، وبهويتنا في تعدد مكوناتها وتنوع روافدها، وترسيخ فضائل المواطنة والديمقراطية والسلوك المدني، وملاءمة التكوينات مع المهن الجديدة والمستقبلية، لتوفير أكبر الفرص أمام الخريجين للنجاح في حياتهم والاندماج في مجتمعهم، والإسهام في تنمية بلادهم.
مولاي صاحب الجلالة،
أملنا كبير في أن تحظى هذه الرؤية برضاكم، وأن تشكل خارطة الطريق الناجعة لتحقيق التغيير المنشود، على نحو يتجاوب مع انشغالات جلالتكم، ومع انتظارات وتطلعات المغاربة. 
وإذا كان الأمر كذلك، فإن الرؤية المعروضة على أنظار جلالتكم توصي بتحويل اختياراتها وتوجهاتها وأهدافها الاستراتيجية، إلى قانون-إطار يجسد تعاقدا وطنيا يلزم الجميع، ويلتزم الجميع بتفعيل مقتضياته. 
وفي انتظار ذلك، يوصي المجلس بإطلاق تعبئة واسعة لمختلف مكونات المجتمع، وفي مقدمتهم الفاعلون التربويون وأولياء التلاميذ، حول مضمون هذه الرؤية، وإسهامها الفعال في تجاوز الاختلالات التي تعاني منها المنظومة التربوية؛ تعبئة يكون هدفها المحوري التملك الجماعي لهذه الرؤية، والانخراط الفعال والواسع في أوراش تطبيقها.
مولاي صاحب الجلالة،
إن الإرادة الحازمة لجلالتكم، المتجاوبة دوما مع الرغبة الأكيدة لمختلف مكونات الأمة المغربية في تحقيق الإصلاح التربوي، والعزم القوي المتقاسم على بناء مدرسة مغربية جديدة منفتحة، تليق بطموحات شباب بلادنا، وبتطلعات مجتمعنا، تشكلان اليوم فرصة تاريخية ونوعية لإنجاح هذا الورش الوطني المهيكل، الذي ما فتأت جلالتكم تؤكد على أنه من أهم مكاسب بلادنا، وخطوة عملاقة على طريق تقدمها وازدهارها، ورافعة حاسمة لتعزيز تموقع المملكة المغربية في مجتمع المعرفة، وفي مصاف البلدان الصاعدة. 

والسلام على مقامكم العالي بالله ورحمته تعالى وبركاته.




tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: