عن مستقبل مراكز التكوين
جريدة الأخبار ، الملحق التربوي ليوم الثلاثاء 
الحسن اللحية

اطلعت على مشروع القانون 01.00 الذي تعرضه وزارة التعليم العالي على موقعها على الإنترنت،  والغريب في الأمر أنه مشروع يعرض للتعديل على شكل منتدى ، فمن المعنى بالتغيير هنا؟ ومن الذي سيقترح التغيير ؟ 
إن هذه المنهجية تعتريها كثير من الاختلالات في التصور و التدبير ، وهو ما يعكس الارتباك الذي تعيشه وزارة التعليم العالي منذ مدة طويلة للغاية.  فما الذي يعنيه التعليم الجامعي؟ و ما معنى الجامعة؟ و ما معنى المعهد؟ و ما معنى التعليم العالي غير التابع للجامعة؟ و أين نضع الجامعات المتعددة التخصصات؟ و ما موقع المعاهد المهنية الجامعية؟ ...إلخ.
إن الارتباك في التصور يهيمن على نص المشروع ذاته ؛ إذ اخترع تصنيفا جديدا يقول بالانتساب للجامعة و يغفل مؤسسات كثيرة منها مؤسسات تكوين الأطر العليا و مهن التربية و التكوين.
و نذكر السيد الداودي أن مؤسسات التكوين في مجال التربية و التعليم نص عليها القانون منذ مدة طويلة حينما كانت تسمى مؤسسات تكوين الأطر العليا ، و كانت توظف الأساتذة المساعدين، فضلا عن تتالي المراسيم بعد إصلاحات سنة 2000-2001 لتدخل عبر المراسيم إلى مرتبة مؤسسات التعليم العالي غير التابعة للجامعة كما جاء في القانون 01.00 ، وهو ما يفرض إيجاد تصورات جديدة لوضعها الخاص من حيث الموارد البشرية أو البنيات او ف التسيير و التدبير ، 
إن التفكير في هذا الوضع الموروث عن إصلاحات  2001 كان سيحرر هذه المؤسسات من الوضع المزدوج ؛ فهي مؤسسات جامعية للتعليم العالي غير تابعة للجامعة، و هي في الآن نفسه  مؤسسات تابعة لوزارة الوطنية. فهذه الازدواجية تعوق التفكير في تنظيم الدراسة بهذه المؤسسات كما تعوق إيجاد حل للموارد البشرية العاملة في هذه المؤسسات (على غرار المدارس العليا سابقا) ،  كما تعوق استقلالية التدبير و التسيير و ترقي الاساتذة الباحثين ... و المستفيد من هذا الوضع هو وزارة التربية الوطنية التي لم تأخذ التكوين على محمل الجد في يوم من الأيام ، كما أن وضع هذه المؤسسات بالنسبة لوزارة التعليم العالي يختزله المثال القائل كم حاجة قضيناها بتركها.
إن طرح مشروع لتغيير و تتميم القانون 01.00 للنقاش يفترض نظريا منهجية غير تقنية تتجسد في استحضار الأسئلة الكبرى و المشاكل المطروحة حاليا في المؤسسات التابعة و غير التابعة للجامعة بشكل عام، أي ان منهجية التغيير و التتميم كانت منهجية تقنوية و تيسيطية مما جعل مجال الاشتغال ضيقا و اختزاليا؛ و ذلك ما لاحظه المجلس الأعلى للتعليم على مشروع السيد الداودي.
ما يلاحظه المتتبع أن السيد الداودي وزير التعليم قد تجاهل مجمل المراسيم التي صنفت مؤسسات تكوين الأطر ضمن التعليم العالي ، ثم إنه باشر التعديل دون إشراك النقابة الوطنية للتعليم الممثلة لمؤسسات التكوين و إشراف المجلس الأعلى مما جعله يسقط في الرؤية الضبابية للتعليم العالي ، و لعل رأي المجلس كان واضحا في توصياته بعد قراءة مشروع القانون الذي تقدم به السيد الداودي. فالمجلس يرى و يدقق بكلمات غاية في الدقة منها : يعاد النظر ، المطالبة بالتدقيق، اختلال المنهجية ، عدم توافق المنهجية مع الرغبة في مراجعة شمولية ، التخلص من اللبس...إلخ.
إذن ، نحن امام تصور لا يرقى إلى التصور الأول الذي جاء في القانون 01.00 المعمول به لحد الأن. و يمكن أن نبدي بعض الملاحظات و السيناريوهات في هذا الباب، و هي كالآتي:

أولا : من الناحية المطلبية تاريخيا:
ما نلاحظه هو تعدد الفئات  المشتغلة في هذه المراكز. ثم  احتلال هذه المراكز -المؤسسات الدرجة الأخيرة في سلم الأولويات في الحوار النقابي العام  والملف المطلبي للنقابة.
إذن كيف لنقابة تشتغل في مراكز التكوين وتدرك أن مرسوم 1997 يهم هذه المراكز ولم تطرح يوما قضايا تكوين الأطر ومستقبل المراكز بتصور شمولي إن لم يكن التجزيء والاختزالية هو المنطلق و المآل. والدليل على ذلك هو التغاضي عن قانون 01.00  لحظة إلحاق المدارس العليا بالجامعات بسرعة غريبة و مريبة دون التفكير في مصير المراكز الأخرى.
من الواضح إذن أن التعامل مع مراكز تكوين الأطر كان بدرجات متفاوتة ، وهو ما سينعكس على الاهتمام بالملفات المطلبية لهذه المراكز وللمشتغلين فيها. ومن أهم هذه الملفات هو تفعيل مرسوم 1997 عينه أو على الأقل طرحه للنقاش العام.
لقد ظل هذا المرسوم غريبا عن مراكز تكوين الأطر العليا رغم أنه يهمها إن لم نقل ظل مهربا عنها و كأنه لا يهمها فكانت النتيجة أن تناقضت النقابة الوطنية للتعليم العالي مع النضال المبدئي و المطلب المبدئي لتنشغل بفئات أخرى عدا مراكز التكوين.
والسؤال المطروح دوما هو: من هو المنخرط (ة) في هذه الحالة و نقابته لا تدافع عنه لا علنا ولا مبدئيا. فهي تغاضت عن طرح مرسوم 1997 للنقاش والتفعيل، كما ألحقت المدارس العليا بالجامعات و أغفلت المراكز الأخرى و لم تناضل جديا من أجل قانون 01.00 ، كما أنها لم تفكر في تفعيل مواد مرسوم 1997 التي تهم كثيرا من العاملين بالمراكز؟
لنتذكر أن الانخراط في النقابة الوطنية للتعليم العالي كان يتأتى على أساس هوية المراكز قانونيا وليس بناء على الإطار. ففي هذه المراكز يوجد أستاذ التعليم الابتدائي و أستاذ الاعدادي و الثانوي و المبرز والأستاذ المساعد و الدكتور ...إلخ. وكل هؤلاء انتموا إلى النقابة الوطنية للتعليم العالي باسم هوية المراكز من جهة القوانين .
لنتصور السناريو  الآتي  الممكن حصوله في الماضي والحاضر والمستقبل وهو كالتالي:
لا شك أن العضوية هي عضوية كاملة لا تميز بين أستاذ التعليم العالي و أستاذ التعليم الابتدائي . فحالما يحملان نفس البطاقة يتساويان في الحقوق والواجبات ، فلا وجود لعضو أرقى و عضو أدنى من وجهة نظر القوانين المنظمة للنقابة. ولنفترض أن الأغلبية عدديا كانت لغير أساتذة التعليم العالي في لحظات المؤتمر و ما شاكله من انتخاب الأجهزة ، ولنفترض أن مكتبا أو جهازا رئيسيا تشكل من غير الأساتذة الجامعيين انتخابا و تصويتا ديمقراطيا، بل ماذا لو حصل إذا انتخب  استاذ التعليم الابتدائي أو مبرز  كاتبا عاما للنقابة الوطنية للتعليم العالي في إحدى المراكز. فما الموقف الذي سيكون عليه واقع الحال؟ 
إذا كان هذا السيناريو محتملا فإنه يعكس واقع حال مراكز التكوين في علاقتها بالنقابة الوطنية للتعليم العالي منذ 1997 . لماذا لم تفكر النقابة على غرار النقابات ذات المطالب المبدئية في الدول المتقدمة في  سيناريوهات تأهيل الموراد البشرية؟ لماذا لم تفكر في إبداع صيغ بديلة للاعتراف بالمؤهلات؟ لماذا لم تناضل لإدماج الحاصلين على دبلومات وشواهد عليا في مراكز التكوين بناء على مرسوم 1997؟ لماذا لم تطرح تصورا عاما ينسجم ومهام التكوين لا التدريس يهم مراكز التكوين؟ لماذا عجلت بحل مشاكل المدارس العليا وتناست أو أهملت مراكز التكوين الأخرى؟ لماذا و لماذا؟ ونقول اللماذا من جهة المبدأ أولا وأخيرا حتى لا نسقط في منطق هؤلاء لي و أولئك ليسوا لي.
إن أستاذ التعليم الابتدائي و أستاذ التعليم الإعدادي و الثانوي أو المبرز أو المفتش العامل بمراكز التكوين  لم يعد مقتنعا بالانخراط في نقابة إذا لم تدافع عنه . وعليه فإن عضويته  النقابية لا معنى لها في مراكز التكوين إن لم تكن هذه النقابة تطرح مطالبه و تطور مهنته  وتصون مصالحة. فما جدوى الانخراط في هذه النقابة إذن؟ هل الانخراط يكون من باب الأخلاق، أي انخراطا أخلاقيا ؟ هل الانخراط يكون معنويا؟ هل الانخراط يكون بسبب  مرسوم 1997 المصنف للمراكز في إطار مراكز تكوين الأطر العليا؟ هل الانخراط قدرا؟ ألا يكمن هنا الفصام بالذات بين انتماء نقابي للتعليم العالي و إداري لجهة أخرى؟
إذا كان الانخراط لا معنى له بكل الوجوه المذكورة فيعني أن الذين انخرطوا في النقابة الوطنية للتعليم بمراكز التكوين يحق لهم أن يفتحوا حوارا اليوم عن هذا الماضي من كل الجوانب، وعن الاستثمار النقابي لهم وربما السياسي كذلك. فماذا كانت تعتبرهم النقابة إذن؟ 
إن أي عمل نقابي إذا لم يستحضر جميع الموارد البشرية وتأهيلها بما يتوافق وخصوصيات التكوين في مؤسسات تكوين الأطر العليا لن يكون إلا عملا نقابيا فئويا أو جمعويا متقوقعا على عدد محدود من الأفراد.
وخلاصة الأمر أن كل من يرى بأن النقابة الوطنية للتعليم العالي هي الحل الوحيد نقابيا ، وبالتصورات الحالية، في مراكز تكوين الأطر فإنه يريد أن يكرس الفئوية والتضليل الذي ساد منذ 1997 إلى اليوم. فما الممكن إذن؟
ثانيا: سيناريوهات الإصلاح
إذا كان هذا الجانب يهم المطلب النقابي فإن الجانب الهيكلي يمكن تصوره وفق السيناريوهات التالية:
أولا: الاندماج الكلي في الجامعة
العودة إلى منهجية إلحاق مراكز التكوين بالجامعة على غرار ما حصل للمدراس العليا ، هيكليا و تنظيميا و تدبيرا للموارد البشرية.
ثانيا: التبعية للتعليم العالي مع استقلالية الوظيفية و المؤسساتية
 إن الحالة الممزقة لمراكز التكوين تطرح مشاكل كثيرة على مستويات عدة تهم الاستقلالية  وهيكلة الشعب و نظام الدراسة و ترقية الموارد البشرية ، و قد حصل أن الكثير ممن يشتغلون في هذه المراكز يجدون صعوبات في التأهيل أو لنقل الترقي العادي ، بحيث قد تجد أستاذا اشتغل أكثر من عشرين سنة في مركز ما وهو لا يجد فرصة التأهيل في المركز الذي يدرس فيه ، بل يجد نفسه مضطرا ليقدم ملف التأهيل إلى كلية و في تخصصه الأصلي الذي يكون غير متلائم مع وظيفته التكوينية اليومية، ناهيك عن تعدد الأطر العاملة في هذه المراكز مما يطرح مرحلة انتقالية فعلية لتجاوز هذا الوضع ، تكون الموارد البشرية هي مدارها الأساس باستثمار تجربتها لتوحيد الإطار و بالتالي مرونة الالتحاق التام بالتعليم العالي عبر ترصيد المكتسبات المهنية.
ثالثا: التبعية للتعليم العالي مع ا استقلالية المهنية و المؤسساتية و التدبيرية
 نود في البداية أن نطرح السؤال التالي: هل مراكز تكوين الأطر  هي الجامعة؟ هل نمط الاشتغال هو نفسه؟ هل نمط البحث و التدريس هو نفسه؟ ...إلخ.
 يبدو أن الاختلاف واضح بين هذا و ذاك. فمراكز التكوين هي مهنية بطبيعة وظيفتها؛ أي أنها تعد المتخرج منها لممارسة مهنة لا ممارسة البحث الأكاديمي و العلمي والمعرفي. وبناء على هذا التمييز ستكون مراكز التكوين  ورشا للتفكير والتجديد والإبداع و البحث و الترجمة  وطرق ممارسة المهنة والوعي بها و التفكير فيها و في أشكال ممارساتها كمهنة ...إلخ. هكذا إذن ستكون هوية المكون وهوية مركز التكوين متناغمتين لأننا نفكر حيث نوجد و ليس كما يقال نوجد حيث لا نفكر ونفكر حيث لا نوجد. 
فالتمييز بين الجامعة ومراكز التكوين  يعني أن مراكز تكوين الأطر تعد مهنيين و مهنيات سيمارسون مهنة لها علاقة بالطفل(ة) و التلميذ(ة) حصرا وبالمستقبل إجمالا. فالمتخرج من هذه المراكز لن يكون باحثا في مختبر أو معتكفا في مكتبة ؛ إنه سيدرس التلميذ(ة) في وضعيات غير متوقعة وفي جغرافيات ومناطق متنوعة ، ولأنه متخرج من هذه المراكز المهنية فالمطلوب منها  أن تعده لهذا اللامتوقع و لهذا التعدد في كل شيء، شأنه في ذلك شأن المفتش و الموجه والمخطط و المدير والحارس العام و الناظر وكل من تشملهم مهن التربية والتكوين.
فالبحث (العلمي) هنا ، في المراكز، له علاقة بالمهنية والتمهين والمهننة وليس كالبحث الجامعي، لأن غايته الأساسية هي تطوير الأداء المهني وبناء المهنية لدى المكون (ة) في مراكز التكوين ولدى المتخرجين والمتخرجات من مراكز التكوين.
إذن ستكون الهوية المهنية في مراكز التكوين هي هوية التكوين وليست هوية الإطار. وهكذا يمكن أن نجد حلا  يشمل الجميع ،جميع العاملين في مراكز التكوين، على عكس التصور الأول. 
 قد يستوعب هذا الحل جميع الاجتهادات الممكنة لنكون أمام هوية مهنية تنتمي للمؤسسة: الانتماء المهني لا الانتماء الإطاري و السلاليمي و السلكي (الأسلاك). 
إذن، إذا بدا لنا أن للتكوين ، لمهنة التكوين و وظيفة التكوين ، خصوصياتها فإن ولوجها يطرح مشاكل فكرية وعملية . ولعل ما نحن عليه من مشاكل اليوم أساسه ولوج مهنة التكوين دون تفكير في هوية المكون.
إن التفكير بالهوية المهنية و بالانتماء المهني للمؤسسة ، أي التفكير بنقابة المهنة لا بنقابة الإطار و السلم هو الخروج من منطق تقليداني عبر عن نفسه دوما بمنصب الشغل . يكفي أن يكون لك رقم تأجير لتترقى وفق المنصوص عليه؟ ما هذا المنطق الذي يقتل الإبداع و الاجتهاد و الدينامية و يعلي من شأن الأقدمية والشهادة والدبلوم إلى حد قتل الإمكانات والفرص و الإبداعية والمردودية؟ إن نقابة المهنة هي نقابة المردودية و العطاء والدينامية و الاجتهاد. و بالجملة هي نقابة الكفايات لا نقابة الفوج والتفويج والمجموعات والأقدمية في المنصب.
إن نقابة المهنة هي التعاقد حول المهنة مع من تهمه المهنة ، وفي حالة مراكز التكوين أن مهنة المكون تهم المجتمع برمته؛ ولذلك فإن طرحها للنقاش العمومي و السياسي والبرلماني والحزبي أمر لا مناص منه. من سنكون؟ لماذا؟ ومن سيكونه؟  فنقابة المهنة هي التعاقد حول كفايات مهنية أو لنقل التعاقد حول مرجع كفاياتي مهني وليس العمل بنظام أساسي همه هو السنوات والأقدمية والتفويج و الكوطا.
إذن على أي أساس نتعاقد يمكن التعاقد مطلبيا ومهنيا و وظيفيا؟ سئمت شخصيا من ترديد لازمة الدفاع عن المصالح المادية والمعنوية . هل طرحت النقابات و الأحزاب و الدولة يوما أي مدرس(ة) نريد؟ أي مكون(ة) نريده ؟...إلخ. يبدو لي ان هذا هو السؤال الغائب في مهن التربية و التكوين.
نريد أن نتعاقد، أولا، حول المهن و أن يكون حوارنا حول المهن حوار تعاقديا لا حوار القوانين و المراسيم والقرارات وحدها ...إلخ، وذلك بغاية تطوير المهنة وإيجاد صيغ بديلة لتقويم الأداء المهني عدا الأقدمية و الشهادة و الدبلوم .. و الحل كل الحل هو التفكير في هوية مهنية و بتصور خاص للموارد البشرية (نظام أساسي خاص )  بستحضر التعليم العالي لكنه يفكر بهوية التكوين: نظام أساسي خاص بالمكون.




tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: