المقاربات الكفاياتية(2)
الحسن اللحية
I- المدرسة الجديدة في المرجعية الرسمية
نريد أن نتوقف من خلال النصوص الواردة أدناه على المدرسة الجديدة التي يقترحها الميثاق الوطني للتربية والتكوين بديلا؛ علما بأن مفهوم المدرسة الجديدة ومفهوم التجديد التربوي هما مفهومان يخترقان جميع المقررات الدولية كمقررات OCDE والبنك الدولي ومقررات المجموعة الأوربية ومنظمة طاولة المصنعين الأوربيين المصطلح عليها بإرتي (أنظر الحسن اللحية، نهاية المدرسة). وعلى وجه الإجمال فإن كثيرا من التصورات التي يقترحها الميثاق الوطني للتربية والتكوين ترد في جميع المقررات والتصورات التي ينبني عليها إصلاح التعليم في العالم. وإن السؤال المطروح في الحالة المغربية هو: ماهذه المدرسة الجديدة؟ ماهي سمات التجديد فيها؟ وهي جديدة بالمقارنة مع أي مدرسة قديمة؟ و ما معنى التجديد التربوي؟ وماهي وظيفتها؟ وماهي حدود وطنيتها؟ وما هي قيمة شواهدها ودبلوماتها؟ وما مكانة المواطن فيها؟ أهي مدرسة للمواطنة أم مدرسة لتكوين طالبي الشغل في المستقبل؟ أهي مدرسة للمعرفة والعلم أم مدرسة لتنمية الكفايات من المنظور المقاولاتي ؟ وما مصير هذه المدرسة في عصر تتعدد فيه التكوينات والتكوينات عن بعد، وتتعدد فيه صلاحيات الشواهد والديبلومات؟ وما مكانة هذه المدرسة في عهد تتعدد فيه أنماط المدارس الخاصة والجامعات الخاصة والمعاهد الخاصة ؟ ...
ستكون المدرسة الجديدة مدرسة تتلاءم وسياق إصلاح عولمي ويتجلى ذلك من خلال ما يلي:
أولا: مدرسة منفتحة
إن التنصيص على مدرسة منفتحة في مجمل الإصلاحات التي أشرنا إليها ومنها نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين يعني أن المدرسة الجديدة تختلف عن مدرسة قديمة على الأقل ستكون هذه المدرسة القديمة بالنسبة للمغرب هي مدرسة الزاوية المنغلقة المكتفية بذاتها وغير العابئة بما يحدث في محيطها وفي العالم.
إن انفتاح المدرسة على المحيط يعني تحويلا لوظائف المدرسة والمدرس وإعادة النظر في المحتويات والمعارف المدرسية نحو رؤية نفعية للتعليم (التعليم النافع)كما جاء في تقرير اللجنة الأوربية (7مارس 1990). والانفتاح المنصوص عليه يعني في نظر اللجنة الأوربية (تقرير1991) جعل الجامعة جامعة تشبه المقاولة الصناعية، وجعل التعليم الجامعي عن بعد منتوجا يباع في سوق التعليم المستمر الذي يخضع بدوره لقانون العرض والطلب.
للانفتاح مستلزمات لابد من توفرها كي يتخذ الانفتاح مضمونه الحقيقي منها كما ترى اللجنة الأوربية توفر بنيات تتلاءم ووظيفية الحاجيات التي يعبر عنها الزبون. والمقصود هنا توفر الإطار القانوني والبنية المعلوماتية بما فيها تحرير قطاع الاتصالات. هكذا سيكون الانفتاح تحويلا للمعارف من المعارف في ذاتها مجردة من سياق النفعية إلى معارف وظيفية " نفعية"، وتحويلا لوظيفة المدرسة من مؤسسة عمومية مجانية إلى مؤسسة تقدم خدمات ومنتجات التكوين والتكوين المستمر، إلا أن ذلك لا يتحقق إلا بتحرير قطاع الاتصالات وغزو التكنولوجيات الجديدة للتعليم أو ما يصطلح عليه بإدماج التكنولوجيات الجديدة في التعليم.
ثانيا: شركاء المدرسة
إن مدرسة منفتحة على المحيط الاقتصادي وهي جزء من هذا المحيط بمساهمتها فيه لا يمكنها إلا أن تلج الرهانات التربوية والصناعية كما حددت في الكتاب الأبيض الصادر عن اللجنة الأوربية في سنة 1995؛ فمن جهة أولى يجب تكيف المدرسين مع التكنولوجيات الجديدة وما تحبل به تلك التكنولوجيات من بيداغوجيات جديدة كتطوير البرانم التربوية وتطوير أنظمة جديدة للتكوين كالأقراص المدمجة...إلخ وتطوير الممارسات البيداغوجية، وهي كلها من الأمور التي لها أثر مباشر على وظيفة المدرس ووجوده، ولها تأثيرات على الدبلومات والشواهد وأنماط التصديق: الكفايات الأساسية والمهنية الواجب التوفر عليها لحيازة دبلوم أو شهادة. 
إن طرح الشهادة للنقاش في إطار هذه الرؤية النفعية للتعليم يعني أن الدبلوم والشهادة لم يعدا مسألة معرفية محضة إنما صارا مدار رهانات بين الجامعة والمقاولة؛ بحيث أن النقاش سينصب على الكفايات الأساسية التي ينبغي أن تكتفي المدرسة ببنائها. ومن تم كان لا بد من مراجعات للبرامج والمناهج لتحديد ما ينبغي أن تعلمه المدرسة وما يترك للتلميذ وما يمكن أن يقوم به التكوين المستمر والتكوين عن بعد وما ستساهم به التكوينات في المقاولة.
إن ما ينبغي أن تتسم به المدرسة الجديدة في ظل الشراكات بين المقاولة والمدرسة أو في ظل تحول المدرسة إلى مقاولة هو الاتصاف بالمرونة في التربية والتكوين والأخذ بعين الاعتبار تنوع الزبناء والطلبات والمناطق والجهات حتى وإن اقتضى ذلك انخراط الطلبة في تمويل الجزء الأكبر من تكلفة التربية والتكوين كما جاء في تقرير أوسيدي لسنة 1996.
ثالثا: ممولو المدرسة الجدد
لا ينبغي أن نغفل بأن هناك سوقا كبيرة متنامية تدور حول التعليم والفضاء المدرسي يكفي أن نستحضر دروس الدعم والبرانم التربوية والمعينات البيداغوجية و الوسائط التربوية والحواسب وكل ما له علاقة بالتكنولوجيات الحديثة لنفهم قيمة هذه السوق وأهميتها كسوق جديدة مؤثرة في مستقبل التربية والمدرسة، وبالتالي مؤثرة في دور المدرس والمتمدرس وفيما يجب أن يتوفر في المتخرج من المدرسة وما ينبغي أن تكون عليه المعرفة المدرسية.
إن تمويل المدرسة الجديدة يمر عبر الشراكة والإشهار مثل ما تقوم به نستلي في المدارس الابتدائية ورياض الأطفال، أو ما تقوم به شركة لمعجون الأسنان وهي تتفاوض من أجل حضور صورة منتوجها في الكتاب المدرسي...إلخ، أو قد يصبح حضور الشركات مرتبطا بمسالك مهنية في الكليات، خاضعا لدفاتر التحملات والمناقصات.
رابعا: التكوين مدى الحياة
يقترن في الاقتصاد الجديد العمل عن بعد بالتكوين عن بعدe-learning، ويتمثل داعي وجوده في وجوب التكيف مع المحيط المتحول والتطور التكنولوجي والبحث الدائم عن تحسين الإنتاجية وتحقيق المرونة والمردودية. تتحدث OCDE عن الشراكات بين المدرسة والمحيط، وعن رهانات جديدة لتكوينات جديدة مثل السبير-تكوين Cyberformation الذي يعتبر أداة للتعلم بعيدا عن المدرسة.
لقد حدث تحول منذ بدايات الثمانينيات في ثقافة التأهيل والتكوين المستمر، و حدث تحول في التوظيف وإحداث مناصب الشغل؛ إذ ارتأت المقاولات أن المنافسات المتعددة تحتم العمل بأنماط جديدة من التكوين ودفع التعليم إلى تبني تصورات جديدة للتربية والتكوين. وقد كان هذا التصور مدعوما من قبل المنظمات الدولية الكبرى كالبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية وأوسيدي وغيرها من المنظمات الأخرى. فعوض التفاوض حول التأهيل بين الدولة وأرباب الشغل والنقابات تحول مجال التكوين إلى سوق خاصة استثمارية تحت اسم التكوين مدى الحياة أو التعلم من المهد إلى اللحد du berceau au tombeau. 
تجب الإشارة إلى أن تحرير التكوين يستهدف جميع الأعمار وجميع المواطنين.وقد دعت OCDE إلى التناوب بين التربية وأمكنة جديدة للتكوين، أي خلق شراكات بين المدرسة والمقاولة و خلق جسور بين المدرسة والإعدادية والثانوية والجامعة من جهة والمهن والمقاولات من جهة ثانية. والتشجيع على الأنشطة اليدوية والمهارية والتقليل من المحتويات لفائدة التعلمات الأساسية.
يرمي التعلم مدى الحياة إلى إحداث رغبات ذاتية عند الشغيل لاستهلاك معارف وتلقي تكوينات جديدة لمواكبة التغيرات والتحولات والمتطلبات التي يفرضها التنافس إلا أن ما سيتلقاه الشغيل من تكوينات ومعارف يدخل في سياق تحويل التكوين إلى سوق.
خامسا: هيكلة الأسلاك
يلاحظ أن الإصلاحات الجارية في العالم تميل نحو التماثل من حيث هيكلة الأسلاك وتبني تصورات بيداغوجية واحدة مثل المجزوءات و الكفايات الأساسية والجذوع المشتركة والتدريس بالمجزوءات...إلخ مما يعني أن المدرسة دخلت طورا عولميا تتحكم فيه رؤية إصلاحية موحدة، وبالتالي فإن مصير المدرسة سيكون مصيرا واحدا على مستوى الاختيارات الكبرى سواء البيداغوجية أو المعرفية أو مصير الشهادة المدرسية وتغيير أدوار المدرسة.
سادسا: المواصفات والحصائل وقواعد الكفايات
في سياق الإصلاحات الجارية بدأ الانطلاق في إصلاح البرامج والمناهج مما يلي:
أولا: المنتظرات (منتظرات سلك دراسي أو مستوى دراسي مثلا) هي تنبوءات أو إكراهات مصاغة بوعي، أو تصاغ في اتجاه مرغوب فيه، أو هي مقاصد أو غايات مرجوة.
ويرى المشتغلون بالكيركيلوم أن المنتظرات تلعب دورا مهما فيما نقوم به، أي تعطي لما نقوم به قيمة ذاتية أو معنوية أو موضوعية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية...والمنتظرات متعددة منها السياسية والاقتصادية والتربوية والتكوينيو وغيرها من المنتظرات. وفي بعض الأحيان تشكل الأفق والأمل وفي أحيان أخرى تكون تعبيرا إيديولوجيا واضحا. والمنتظرات من نهاية السلك الدراسي هي معالم تنير ما ينبغي أن يتوفر في التلميذ في نهاية السلك الدراسي. وتحيل هذه المعالم على المعارف والوضعيات وحصر المراحل الكبرى في سيرورة تنمية كفاية ما.
ثانيا: تكون الحصيلة من أجل تحديد مشروع مهني. ولبلوغ هذا المسعى ينبغي أن تسمح أنشطة الحصيلة الموضوعة قيد التنفيذ بتحليل الكفايات المهنية والشخصية للمعني بما فيها استعداداته ومحفزاته. ويتم ذلك حسب ما يلي:
1- تأكيد التزامه
2- تحديد طبيعة حاجياته
3- تحديد كفاياته واستعدادته المهنية 
4- تحديد امكاناته في التطور المهني 
تشكل حصيلة الكفايات أداة لتدبير مسيرة اجتماعية ومهنية للأجير، ووسيلة لتدبير الكفايات الخاصة بالشخصية المهنية، وليس الذات، وكما هي الأداة التي تنتظم ضرورة حولها جميع عمليات التقويم التي يتطلبها تدبير المقاولات. والمقاولات بدورها لا يمكنها أن تتملك هذه الحصيلة مباشرة.
إن حصيلة الكفايات هي لحظة حيث تهيأ من بين أشياء أخرى مشاريع واستراتيجيات مستقبلية تخص الأجير، وحيث المقاولة هي المكان الذي يحقق فيه ذلك. وهكذا سيكون من المقبول بالنسبة للأجير كما هو الحال بالنسبة للمقاولة خلق شروط حتى تستطيع حصيلة الكفايات أن تكون لحظة لإعادة التعرف بالنسبة للأجير على القيم والمتطلبات ومشاريع المقاولة. وفيما يخص المقاولة يعني ذلك إعادة التعرف على ما يستطيع أن يقوم به الأجير أو يستثمره في تلك المشاريع وما سيضيفه كمصادر راهنة أو مشاريع تنموية. 
وخلاصة القول إن حصائل الكفايات و المنتظرات وغيرها من المفاهيم التي سنتعرض إليها لاحقا تكون من أجل تحديد مشروع مهني أو مشروع تكويني. وتسللها إلى التصورات البيداغوجية جاء في إطار تصورات مقاولاتية وتشاركية للتكوين وفي إطار تصورات مقاولاتية لما ينبغي أن يكون عليه المنهاج التربوي.
سابعا: الإصلاح البيداغوجي
إن توحيد الرؤية لإصلاح الأنظمة التربوية عالميا، كما رأينا، إن على مستوى الأسلاك أو البيداغوجيا أو على مستوى الانطلاق من المواصفات والمنتظرات ومراجع الكفايات أو على مستوى علاقة المدرسة بالمحيط فرض تصورات متماثلة كثيرة منها:
أولا: التفكير بالكفايات الأساسية أو التعلمات الأساسية. 
ثانيا: الانطلاق من الكفايات العرضانية بالنسبة للدول التي آمنت بإشراك الفاعلين التربويين والسياسيين والمدنيين.... إلخ في الإصلاح. 
ثالثا: الانطلاق من مراجع للكفايات أو من المواصفات العامة بدل أهداف المادة في ذاتها.
رابعا: تجاوز التخصصات إلى تداخل التخصصات.
رابعا: تجاوز الدرس والمحاضرة إلى المجزوءة.
خامسا: اعتماد نظام الدين في الامتحانات.
سادسا: التفكير بالأقطاب بدل الشعب أو المادة: مواد متقاربة أو ذات جذوع مشتركة.
سابعا: التفكير بالمسالك المهنية (في الجامعات) بدل التخصصات المعرفية الصرفة و بالأنشطة اليدوية في سلكي الابتدائي والإعدادي بدل الدرس.
ثامنا: تمهين التعليم و سيادة خطاب المهننة الشاملة في توظيف المدرسين.... إلخ.
ولا بد أن نشير بأن هذا التحول الراديكالي في التصور البيداغوجي العام هو تحول في الوظائف والأدوار: وظيفة المدرسة والمدرس والتلميذ والمعارف المدرسية.
ثامنا: التكيف والمرونة
يحاول منظرو الاقتصاد الجديد إقناع الجميع بضرورة استلهام الداروينية الاجتماعية؛ هناك حرب اجتماعية تقع على جميع المستويات لا تسمح بالاستمرار بنفس التنظيمات الاجتماعية وتنظيمات الشغل والتعليم وربما نفس القيم والقوانين بما فيها قوانين الشغل، وبنفس التصورات للعمل ودور الدولة ، وبنفس المؤهلات والحقوق والواجبات التي تضمنها الدولة ، وبنفس الشواهد والدبلومات التي تمنحها المؤسسات التعليمية وغيرها في عالم تسوده المنافسة الحادة من أقصاه إلى أقصاه. إنه صراع الكل ضد الكل الذي يحتم تغيير كل شئ والإعراض عن كل ما كان حقا كالعمل وتوحيد الأجور والتأهيل والتكوين المستمر ومجانية التعليم واستقلالية المدرسة والجامعة إلخ... إذن لا بد وأن تتكيف المدرسة مع هذا المحيط باستجابتها للرغبات ولمطالب السوق والمقاولات. ولا يمكن ذلك إلا بجعل المدرسة مفتوحة أمام الخواص والمقاولات ورجال الأعمال والشركات وإدخال التكنولوجيات الجديدة وتمهين التعليم ليصبح تعليما نفعيا، أي تسهيل إدماج المهنية من قبل المتمدرسين ليكتشفوا المقاولة وواقع المهنية عن طريق العلاقات القائمة بين المدرسة والمقاولة. وتعزيز جانب المهنية في التكوين عن طريق الوضعيات-المشاكل أو ما يسمى التحويل والنقل.ثم تنمية قدرات الاستقلالية بإقرار بيداغوجيا حل المشاكل والكفايات والوضعية- المسألة، وتشجيع التكوين مدى الحياة وشبكات التكوين.
أما من جانب المرونة فقد برزت المرونة الشاملة في عهد العولمة كسياسة لتدبير اليد العاملة للملاءمة بين الإنتاج والشغل و(ليس العمل)، والتلاؤم مع التغيرات المتسارعة على مستويات متنوعة.
تشمل المرونة عدة مستويات منها الغلاف الزمني للعمل الفعلي والأجور وعدد العمال والترسيم والمياومة والعمل بالتعاقد والتداريب والتكوين المستمر والتأهيل وتدبير مناصب الشغل. كما أن منظري الليبرالية الجديدة أو المدبرين الجدد يميزون بين المرونة الكمية الخارجية التي تتحقق باللجوء إلى سوق الشغل؛ بمعنى أن العمل في المصنع أو المقاولة يرتبط بالحاجات ويوثق بعقود الشغل المحدودة في الزمن. كما عملت هذه المرونة على تعويض عقد الشغل بعقد تجاري أكثر ليونة كاللجوء للعمال الاحتياطيين وتفويض الخدمات الخارجية مثل الحراسة والإصلاح والترميم والنقل والنظافة للغير...وأما المرونة الكمية الداخلية فتتأتى بتنوع مدد الشغل في علاقتها بالإنتاج: تنوع في ساعات الشغل، الاستفادة من الوقت الثالث، حذف ساعات معينة من الشغل... وتسمى هذه المرونة كذلك بالمرونة الوظيفية، حيث يصبح للعمال أدوار مختلفة حسب الحاجات لا التخصصات في المناصب والأوراش أو المكاتب.
كما لا ينبغي أن نغفل تداعيات وتأثيرات المرونة على الأجور و التسميات في المناصب التي قد تعود إلى أهداف المقاولة لا إلى قانون الشغل.
هناك عدة دواعي تبرر اللجوء للمرونة كما ترد عند منظري الاقتصاد الجديد، منها:
1- التغيرات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد العالمي من حيث الإنتاج والتسويق والطلب وتعددية الأسواق...
2- التنافسية العالمية الحادة...
3- تقادم بعض التكنولوجيات وظهور أخرى..
4- التبدلات الدائمة لذوق المستهلك...
إذن بالنظر لهذا العالم المتغير محيطه بسرعة كبيرة والذي يتطلب مرونة في التشغيل على المدرسة أن تساير هذا التغير السريع من جهة التكوين ومن جهة التفاعل مع المحيط. ومراد القول أن تتجاوز الانغلاق وسلبية المتلقي والانعزالية.
خامسا: المهنية
ظهر الخطاب حول المهنة كأول تصور أصيل لتنظيم الشغل بهدف اقتصادي. ففي عالم مليئ بالآلات يجب أن تتوفر في العامل شروط معينة. ويستفاد من الخطابات الداعية للتمهين أنه لكل مهنة معارفها الخاصة والاعتراف بتلك المعارف يعني الاعتراف بهوية مهنية وبثقافة مهنية وتنشئة مهنية معينة.وبما أن المهنة نشاط فهي في منآى عن الميكانيكية وممارستها لا تتوخى التأمل وتطوير النظريات لأن المهنة خدمة يقوم بها المعني. ثم لا بد من التمييز بين المهنة والحرفة؛ فالمهني يحل المشاكل-الوضعيات ليبرهن على المسؤولية والإبداعية والحرية والقدرة على التجديد بينما الحرفي يقتصر على الصناعة اليدوية المتكررة.
يعني تمهين التدريس تحويلا لوسط المدرسة والتفكير في طرق التدريس لا نقل المعارف وحدها.ومن أجل ذلك يقترح فليب بيرنو مقاربة نسقية للمدرسة لأن المدرس سيلج عوالم جديدة مثل التدبير والتفاوض وتقويم المؤسسة ووضع المشاريع والعمل الجماعي.ولم يغفل بيرنو التذكير بأن التمهين يرتبط بمنظور اقتصادي لتحقيق المردودية والنجاعة.
ستزداد هذه المطالب أكثر فأكثر بإدخال التكنولوجيات الجديدة إلى المدرسة لأن المنظمات الدولية ومنها OCDE تدعو لتمهين التعليم بتبني نموذج الكفايات الدنيا(المدرس كمنفذ) ونموذج التمهين المفتوح (المدرس يكون في عمق سيرورة التحسين وجودة التربية، وهو المسؤول عن تحليل حاجات المدرسة ويبدو كبطل للتجديد والمسؤول عن التقويم). ستتحول وظيفة المدرس كليا في منظور دعاة المهنية حيث سيصبح المدرس المنظم والمرافق والمصاحب والمقوم والوسيط والمعدل والمنشط... إلخ.
سادسا: الجودة
بما أن المدرسة أصبحت مقاولة أو أنها استلهمت المقاولة في التسيير والتدبير، وأضحت خاضعة لضغوطات المحيط ورغبات الزبائن فقد تبنت ثقافة التقويم وجودة المهنة (ISO 9001).
وضعت سياسات تقويم الأنظمة التربوية بفضل منظمات دولية كالبنك الدولي وOCDE و اليونسكو. والغاية من ذلك هي توفير مؤشرات والعمل بها كلوحة قيادة لاتخاذ القرار والقيام بالافتحاصات ومعرفة مؤشرات الإنتاجية والنجاعة وحجم الاستثمارات والتكاليف والحصول على نتائج بأقل تكلفة.
ينظر لمقاربات الجودة كأدوات لتحليل الجزئيات والتركيب في آن واحد، أي التوفر على رؤية شمولية وكأداة للتنظيم؛ بمعنى تحديد المهام للحد من المجهول والفوضى وإيجاد تواصل فعال. وينظر للمدرسة في سياق تحليل الجودة كمقاولة حينما يكون الهم هو النجاعة الاقتصادية دون الأخذ بعين الاعتبار الجانب الثقافي والاقتصادي والبيداغوجي وقيم حقوق الإنسان والمواطنة.فجودة المدرسة لا تقاس بالأرقام ولا بخضوع المدرسة للمحيط. 
تلك هي أهم مدارات النقاش العالمي حول الإصلاح، وبالتالي المدرسة الجديدة رغم تفاوت حدة التصورات بين الأطراف. وعلينا أن نتذكر بأن الإصلاحات الحالية مهما اتخذت من عناوين فإنها تسائل وجود المدرسة الوطنية، وبالتالي وجود الدولة الوطنية: ماهو دور المدرسة الوطنية في عصر معولم؟ وهل من إمكانية لوجودها في عصر يحول المؤسسات الوطنية إلى مؤسسات خاصة أو مؤسسات يرتبط وجودها بالسوق والاستهلاك؟.



عن صفحة: الاستاذ د. الحسن اللحية

tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: