ماذ نعني بالبراديغم؟ و لماذا أصبح الباحثون في التربية يتحدثون عن البراديغم على غرار غيرهم في علوم أخرى ؟ و ما الضرورة الفكرية و النظرية التي جعلته رائجا بين منظري البيداغوجيات و المقاربات الكفاياتية تحديدا؟ و لماذا عاد إلى الظهور بقوة في ازمنة الكفايات في المدرسة؟......
شكرا لطلبتي سابقا، زملائي الطلبة المستشارين في التوجيه التربوي، و أصدقائي بالأمس و اليوم و غدا .
شكرا لهم على هذا العمل القيم الفاحص الدقيق الذي اعتز به شخصيا، ويشرفني ان انشره لتعم الفائدة و تستقيم الأفهام ...
مفهوم البراديغم
إعداد: 
عبد الله الهلالي ، يونس حلحول ، الحسين العسري ، جمال هبوز ، بريك أيت بهي ، ابراهيم بايشو ،
أنيس القروطي
بإشراف الحسن اللحية
1. مقدمة
تناول الكثيرون موضوع"العلم"، وأجمعوا على أنه إنجاز فكري واجتماعي يتطور ويتجدد باستمرار، واعتبروه إلى جانب هذا بمثابة حركة تجري في تناوب عبر الزمان والمكان. كما تساءلوا عن الصورة التي يتطور بها هذا النشاط الإنساني المتميز وعن نصيب التوتر والصراع والهيمنة في هذا التطور، إلى غير ذلك من الإشكالات المعقدة التي أرقت ولا تزال عددا لا يستهان به من الفلاسفة ومؤرخي العلم. 
إنّ عودة سريعة إلى تطور الإبستمولوجيا (l`épistémologie) من المدرسة التجريبية (L’empirisme)، مروراً بالوضعية (le positivsme)، ووصولاً إلى المدرسة الثورية (le révolutionnisme) تضعنا أمام التحولات التي طرأت على مستويات التفسير، من مستوى يفسر التطور العلمي بدلالة »المبادئ« إلى مستوى آخر يستند على دلالة »البراديغمات«. فإذا كانت المدرسة التجريبية تقيس نمو العلوم بالاعتماد على التحقق (Vérification)، أي معرفة مدى مطابقة الحالات المتجددة في الزمان والمكان مع مبادئ وقوانين كلية وشمولية، ترتبت عن تطبيق منهج إستقرائي، فإن مدارس أخرى نحت منحى مغايرا ووضعت السؤال التالي: بأي حق نحكم بما رأيناه على ما لم نره بعد؟ و كارل بوبر (Karl Popper) يوجد في طليعة مناصري هذا التوجه برفضه الاستقراء جملة وتفصيلا، واعتماده على التكذيب (Falsification) بدل التحقق ( ).
أما النمساوي بول فايربند (Paul Fayerabend) فكان أكثر جرأة، إذ أنكر بشدة وجود قوانين منهجية مسبقة تلزم جميع العلماء بالخضوع إليها. فالنظريات العلمية الجديدة، حسب هذا الفيلسوف، لم تكن لتجد القبول بسبب التزامها بمنهج علمي محدد، ولكن لأن أصحابها كانوا بكل بساطة أكثر دهاء وبلاغة في الدعاية لأفكارهم. وهذا ما يتضح بجلاء في عبارته الغريبة « Anything goes » أي كل شيئ في العلم يجوز . والحق أن تعبيرا كهذا لا يمكن أن يمرر دون أن يصحبه توضيح ( ):
"'Tout est bon' n'est pas un principe que je voudrais ériger… mais l'exclamation terrifiée d'un rationaliste qui s'est intéressé de plus près à l'histoire." 
غير أن الفكرة الثورية التي التصقت باسم هذا الرجل هي تلك التي نزعت عن الفلسفة قدرتها على إعطاء وصف شامل للعلم وعلى تحديد منهج فيصل بينه وبين اللاعلم أو الميثولوجيا. ولعل هذا الزعم المستفز هو ما ألهب فتيل البحث لدى مفكرين آخرين أتوا من بعد فايربند أو عاصروه، قادهم في نهاية المطاف إلى بلورة مفاهيم تفسيرية جديدة. لاحظ آلان تشالمرز (Alan F. Chalmers) أن التطور (L´évolution) والتقدم (Progrès) العلميين، الأكثر أهمية، يكشفان عن بنية، تجاوزت كلا من الاستقرائية (L´inductivisme) و التكذيبية (Falsificationisme) ( ), وأن الاهتمام بتاريخ العلوم هو الذي قاد إلى هذه الرؤية التي تدرس النظريات كبنيات.
والحقيقة أن هذه النقلة ارتبطت بالخصوص بظهور اسم جديد، هو توماس كوهن (1922-1996)، الشخص الذي استطاع أن ينحي جانبا ثقافة فردية تأسست في الغرب وتأصلت منذ توماس هوبز T.Hobles (1588-1679م)، وجون لوك J.Locke (1632-1704م)، وجان جاك روسو J .J.Rousseau (1712-1778م)، وغيرهم من الفلاسفة الذين نظروا لتصور وضع الفرد كصانع للمجتمع المدني وللدولة على السواء. على النقيض من هذا التفكير، يبرز "توماس كوهن أن النظريات العلمية ليست وليدة تجارب وملاحظات يقوم بها العالم في خلوته المهنية، بل وليدة العوامل الاجتماعية والنفسية ونتاج متحد من العلماء، تجمعهم تقاليد وقواعد مشتركة ونظرة واحدة إلى العالم. مع كوهن لم يعد يُتَصوَر العلم على أنه بحث عن الحقيقة الموضوعية فقط، بل أصبح يتلخص في عمليات بحث عن حلول لمشكلات تندرج ضمن نسق من الاعتقادات المعاصرة. وقد أطلق كوهن على هذا النسق الشامل اسم "الباراديغم". فماذا يقصد به على وجه التحديد؟
2. الباراديغم، استعمالات واسعة.
جدير بأن نلاحظ أن بعض النظريات تكتسح الفكر الإنساني في مرحلة تاريخية معينة، لتجد قبولاً من لدن غالبية الناس ومن ثم تصبح نموذجا متبعا في عمليات تفكيرهم. فمثلا قد يطرح نقاش عام حول موضوع "التنمية" ، فنجد أنفسنا أمام مجموعة من التفسيرات المختلفة التي تناولت الموضوع، كنظرية آدم سميث، أو تحليل ريكاردو، أو تحليل ماركس، أو نجد أنفسنا أمام نظرية النمو المتوازن أو غير المتوازن أو نظرية المركز والهامش وغيرها... إن طريقة تفكيرنا في الموضوع المطروح للنقاش في فترة من الفترات لا شك وأنها تتأثر بمثل هذه المناظير الشاملة العامة التي، في نهاية الأمر، ما هي إلا ذاك المعنى الذي نقصده عند استعمالنا لمصطلح "الباراديغم".
إلا أن التداول الحالي لمفهوم الباراديغم لم يكن ليحيل إلى ما أحال إليه دون أن يمر بحقول معرفية عديدة، بدءا بعلم النحو، مرورا باللسانيات الحديثة و الإبستومولوجيا، وانتهاء بعلم النفس والسوسيولوجيا، دون أن نغفل بطبيعة الحال الدلالة العميقة التي اكتسبها مع توماس كوهن. إن هذا الرهان بالذات هو الذي سيدفعنا من خلال هذا العرض إلى تناول هذا المفهوم عن طريق طرح السياقات المختلفة التي استعمل فيها. 
تعريف الباراديغم :
قبل عرض مختلف الدلالات التي يكتسيها هذا المفهوم يجدر بنا أولا أن نحدد أصله الاشتقاقي. فمن وجهة نظر اشتقاقية يعود مصطلح Paradigme مباشرة إلى الكلمة اللاتينية Paradigma. أما أصله غير المباشر فهو الكلمة الإغريقية Paradeïgma الذي يعني "نموذج" أو "مثال" و Paradeïgma يرجع بدوره إلى الفعل Paradeiknunaï الذي يعني "قارن". 
من جانب آخر تتركب كلمة Paradeïgma من عنصرين: Para التي تفيد الشمول و deïgma التي تعني "المثال" أو "النموذج".
لنعرض الآن ما ورد في بعض المعاجم من تعاريف للباراديغم : 
معجم لاروسLAROUSSE 
• في قواعد اللغة التقليدية، جميع الأشكال المستخرجة من كلمة واحدة، إنه النموذج. (على سبيل المثال،اشتقاق اسم أو تصريف فعل.)
• في اللسانيات البنيوية، جميع الوحدات التي القابلة للاستبدال في سياق معين.
• في النظرية الاقتصادية، اختيار المشاكل التي ستدرس والتقنيات الخاصة بدراستها.
معجم اوكسفورد Oxford 
• مثال نموذجي: مثلا نموذج المجتمع حول 'المرأة المثالية "
• وجهة نظر العالم التي تقوم عليها النظريات ومنهجية البحت في الميادين العلمية على وجه الخصوص: مثلا “ اكتشاف الجاذبية الكونية أصبح براديغم العلم الناجح”
• مجموعة من العناصر اللغوية التي تشكل الاختيارات المتبادلة خاصة في الأدوار النحوية:
محددات اللغة تشكل البراديغم: فنقول مثلا 'الكتاب' أو 'كتابه "وليس" الكتابه "
• في قواعد اللغة التقليدية من اللاتينية واليونانية، وغيرها من اللغات المشتقة : جدول كافة أشكال اشتقاق فعل معين، إسم، أو صفة، بوصفه نموذجا للكلمات أخرى لها نفس طريقة التصريف.
الباراديغم وغلم النحو:
وظف الاستعمال الاول لكلمة "بارادبعم" في علم النحو في سياقه اللاثيني للتعبير عن مختلف التغيرات المورفولوجية التي تلحق الأسماء والأفعال والصفات وغيرها. نقول مثلا أن فعل "aimer " في تجلياته المتعددة:
« aimes », « aime », « aimons », « aiment », « aimaient », aimâmes »…
باراديغما لجميع الأفعال التي تنتهي ب -----er ، أي مثالا أو نموذجا. نفس الشيء يقال عن الأسماء. فمثلا، وهذه المرة نستلهم المثال من اللغة العربية وإن لم يستعمل قط المفهوم المدروس في الوصف الغوي العربي، فنقول بأن كلمة "بقرة" في مختلف تمظهراتها الشكلية (بقرتين – بقرات...) باراديغما لمجموعة من الكلمات التي على هيأتها (عربة – عربتين – عربات).
وبهذا المعنى قد نقول أن صيغة "فَعَلَ" بارادبغما لجميع الأفعال الثلاثية الموجودة في اللغة العربية أو نموذجا لها. وما يسري على "فعل" يسري أيضا على جميع الصيغ الأخرى كـ "استفعل" و "مفعل" و "فاعل" و "مفعول" وغيرها. ولعل لفظة "وزن" التي استعملها النحاة العرب القدامى قريبة بعض الشيء من مدلول الباراديغم في بعدها النحوي.
الباراديغم والاستعمال اللساني:
اكتسى مفهوم الباراديغم مع فرديناند دوسوسير ( ) دلالة أخرى. ففي معرض شرحه لثنائياته المشهورة (لسانيات دياكرونية< لسانيات سنكرونية– القوانين الداخلية < القوانين الخارجية – الثابت < المتحول – اللغة < الكلام ...)، قابل سوسير أيضا بين syntagme و Paradigme.
بعد أن أقصى من اهتمام اللسانيات البعد التاريخي الدياكروني ، كان لزاما عليه أن يحصر مجال اشتغال اللسانيات في البعد الآني السنكروني. وهو ما أدى به إلى تبني دراسة اللغة كبناء متناسق. غير أن هذا الخيار يعني اعتبارها كنسق تحكمه علاقات وقوانين داخلية. لكن ما طبيعة هذه العلاقات؟ 
لاحظ سوسير وجود نوعين من العلاقات تتحكم في البناء اللغوي: علاقات أفقيةsyntagmatiques وأخرى عمودية Paradigmatiques. فالعلاقات العمودية تتعلق باختيار الوحدات اللغوية (كلمات- فونيمات إلخ.)، في حين أن العلاقات الأفقية تتعلق بتوزيع هذه الوحدات داخل الخطاب أو السلسلة الكلامية. لنلاحظ ما يلي:
« Passons, passons puisque tout le monde passe » أ-
« Dormons, dormons puisque tout le monde dort » ب-
« Puisque tout le monde passe, passons, passons » ج-
إن حصولنا على المثال "ب" قد تم بتغيير باراديغمي مبدأه "انتقائي" (selectif)، في حين أن المثال "ج" كان نتيجة تغيير سانتاكمي مبدأه توليفي (combinatoire).
نفس الشيء يمكن قوله على الوحدات اللغوية الدنيا. فالعلاقة التي تحكم "س" و "ا" و "ل" في كلمة "سال" علاقة توليفية، بينما العلاقة التي تحكم "س" و "م" و "ق" و"ع" علاقة انتقاية لأن جميع هذه الوحدات تنتمي إلى بارادبغم واحد جامع لكل ما من شأنه أن يحتل المكان الشاغر في السياق ...ال:

المنظور النفسي والسوسيولوجي: 
لا شك وأن استعمال المفهوم المدروس في الميدان النفسي والسوسيولوجي يرتبط بالنظرة إلى العالم (Cosmovision). ففي العلوم الاجتماعية يستعمل لوصف مختلف التجارب والاعتقادات والقيم التي تحدد الطريقة التي يدرك بها الفرد الواقع، وكذا الطريقة التي يستجيب بها لهذا الادراك. من هنا فإن مجموع ما لدى الشخص من خبرات ومعلومات ومعتقدات وأنظمة هي باراديغمه الخاص، أي نموذجه الخاص الذي يرسم حدود تصرفه. من هذه الزاوية يصبح البارادايغم بمنزلة العدسة التي يُرَى من خلالها العالم، و السكة التي يمر عليها الفكر وبالتالي المعيار الحاسم للحقيقة. إنه بكل بساطة العامل الذي يجعل الأشخاص يبدون اختلافات شاسعة وهم يشتغلون على موضوع مشترك. لنأخذ مثلا مستعملي طريق سيار معين. فمن دون شك سنجد من ضمنهم من يستمتع بالسياقة على هذا الطريق، ومنهم من سيود لو ينتهي، ومنهم من يركز على النباتات المنسقة والأزهار التي تصطف على حوافه، ومنهم من سيود التوقف على جنباته ليستمتع عن قرب بهذا التناسق الجميل، ومنهم من لا يبالي بهذا الجمال البديع لانشعاله ببرنامج إذاعي هام إلخ. 
هذا المثال يظهر بجلاء تعدد المناظير والباراديعمات حسب الأشخاص وحسب الرؤى التي يحملونها على العالم. غير أنه لا بد أن نأخذ بعين الاعتبارأن محدودية الوعي والإدراك لدى الناس تحجب عنهم في أحيان كثيرة الفهم الشامل للعالم، الشيء الذي يقودنا إلى استنتاج خاصية أساسية يتميز بها الباراديغم: النسبية. 
بالإضافة إلى خاصية النسبية فإن الباراديغم يمتاز بالدينامية إن على مستوى الفرد أو المجتمع. وللتعبير عن هذه الدينامية المجتمعية على الخصوص، اقتبس الباحثون في العلوم الاجتماعية تصور كوهن للتغير الذي يلحق الباراديعم. وهكذا تم تحديد مجموعة من الشروط التي تمهد الطريق لكي يتحول نسق فكري معين إلى باراديغم مهيمن: 
- تنظيمات مهنية تشرعن هذا النسق الفكري وتتبناه،
- رواد اجتماعيون يشهرون به،
- صحافة تتابع عن كثب تطورات هذا النسق الفكري،
- مؤسسات حكومية تكسبه نوعا من الرسمية (oficialisation)،
- تربويون يلقنونه للطلبة،
مصادر تمويل تدعم البحث لإغناء النسق الفكري الجديد (...)
3. توماس كوهن.
نبدة عن توماس كوهن
ولد توماس كوهن ( ) في 18 يوليوز 1922 وتوفي في 17 يونيو 1996. وهو يعتبر من فلاسفة العلم أو لنقل من مؤرخيه. في سنة 1962 تبوأ مكانا متميزا في الساحة العلمية خصوصا بعد صدور كتابه بنية الثورات العلمية . بعد ذلك عين أستاذا بجامعة Princeton، ومن تم انتقل إلى جامعة Bostonحيث عمل بها حتى 1991. اهتم كوهن بدينامية الجماعات العلمية، فكان تحليله منصبا، بالإضافة إلى الجانب المعرفي، على الجوانب الاجتماعية والتاريخية باعتبارها محددات لا مناص منها لفهم الدينامية التي تحكم النظريات العلمية. 
الباراديغم عند توماس كوهن.
لنتوقف قليلا عند قولة كوهن الآتية:
"ومنذ زمن ما قبل التاريخ القديم، اجتازت حقول الدراسة، واحدها بعد الآخر، الحد الفاصل بين ما يمكن المؤرخ أن يدعوه علم ما قبل التاريخ والعلم التاريخي بالمعنى الدقيق... لكن لم تكن تلك الحقول متدرجة تدرجا تاريخيا، ولا كان امتدادها موازيا للتطور الإجمالي في الحقول التي حدثت وسطها. فقد كان في حوزة الذين كتبوا عن الكهرباء خلال العقود الأربعة الأولى من القرن الثامن عشر من الظواهر الكهربائية أوسع بكثير مما كان لدى أسلافهم في القرن السادس عشر... وفي وقت ما بين عامي 1740 و 1780، صار الكهربائيون، ولأول مرة، قادرين على التسليم بأسس حقل عملهم، واندفعوا منذ ذلك الحين إلى درس مشكلات أكثر مادية وغموضا، ومن ثم سجلوا، وبصورة متزايدة، نتائجهم في مقالات موجهة إلى كهربائيين آخرين، وليس في كتب موجهة لعالم المتعلمين الواسع. وقد أنجزوا كمجموعة ما كان قد حصله الفلكيون في القدم، ودارسوا الحركة في العصور الوسطى، وعلم البصريات الطبيعية في أواخر القرن السابع عشر. أي أنهم أنجزوا براديغما قادرا على أن يكون دليلا لأبحاث المجموعة برمتها. ولولا فائدة استذكار الماضي، لكان من العسير إيجاد معيار آخر يعلن، وبوضوح، عن ميدان علمي". ( )
من خلال هذا المثال المستلهم من علم الكهرباء نستطيع أن نفهم تصور توماس كوهن لتطور العلوم، فهو يوضح الدينامية التي يتم على إثرها الانتقال من مرحلة ما قبل العلم إلى مرحلة العلم. غير أنه يؤكد على أن هذا الانتقال لايتم بصورة تدريجية ولا خطية، وإنما يتم عن طريق بحث شاق ومضني، منصب حول الموروث العلمي المتحقق في الماضي، تتولاه مجموعة علمية لمدة زمنية معينة إلى أن تهتدي إلى صياغة باراديغم شامل، أي نقطة ارتكاز تدفعها نحو آفاق علمية جديدة.
وهكذا عن طريق جرده لمجموعة نصوص علمية كلاسيكية ك"الفيزياء" لأرسطو و"المبادئ" لنيوتن و"الكيمياء" للافوازيي، لاحظ كوهن أن هذه الكتب، إلى جانب مراجع أخرى، ضلت لمدة طويلة النبراس الملهم لأجيال عديدة من العلماء. ولم يكن لأمهات الكتب هاته أن تحظى بهذا التقدير في الوسط العلمي إلا لأنها استطاعت، من جهة، أن تسحب البساط عن تفسيرات علمية أخرى منافسة، ومن جهة أخرى لأنها استطاعت أن تفتح أمام مناصريها إشكالات علمية أكثر.
هذه الإنجازات العلمية الماضية المعتمدة كنموذج هي المقابل لمفهوم الباراديغم في معناه الضيق. أما معناه الشاسع فيرتبط أساسا بوجود مجموعة علمية تملك قدرا معينا من التصورات العلمية المشتركة. انطلاقا من هذه الزاويتين يمكننا، عن طريق إلحاق المعنى التاريخي (النموذج) بالمعنى الإجتماعي (مجموعة علمية ذات مرجعية مشتركة) ، أن نهتدي إلى الفيصل الجوهري بين العلم واللاعلم. كوهن يعرض أربعة خصائص للباراديغم :
يتضمن قوانين وتعريفات وتعميمات رمزية (Modélisation). وكلما كثر عددها كان العلم أكثر قوة..
يتضمن نماذج ميتافيزيقية و اعتقادات (Croyances) معينة تتيح للمجموعة العلمية استلهام الرموز والاستعارات لشرح النظرية العلمية ( ).
يتضمن قيم (Valeurs)من قبيل تماسك النظرية العلمية واتساقها الداخلي وكذا انسجامها مع الواقع. والقيم تشمل أيضا المواقف المشتركة للعلماء تجاه أزمات العلم وتجاه النظريات المجددة.
يتضمن نماذج (Exemples)في شكل معارف ضمنية تكتسب عن طريق ممارسة العلم. 
لقد كان مفهوم التطور في العلوم الطبيعية خاضعا لتصور آخر قائم على "الضرورة العقلانية"، بمعنى أن الانتقال من نظرية علمية إلى أخرى يتم بالضرورة عند اكتشاف معطيات جديدة. والتطور العلمي من منظور هذا الاتجاه يقوم على فعالية منطقية ومتعالية غير خاضعة للمؤثرات السوسيولوجية والثقافية والمؤسسية. 
في حين ينطلق "كوهن" من تصور مخالف ينظر إلى العلم كفاعلية لأفراد مؤطرين ضمن "مؤسسة علمية"، خاضعة لالتزامات مذهبية وقوانين مؤسسية تضع الشروط التي تشتغل فيها الجماعة العلمية، والقيود التي تنظم عمليات الاستدلال والبرهنة من حيث أدوات التجريب، وإجراءات القياس، وطريقة استعمال الآلات، وآليات المراقبة، وتنظيم النتائج...إلخ.
تحول البراديغم أو الثورة العلمية :
حاول توماس كوهن أن يعيد رسم تطور العلم كمرور من براديغم إلى آخر، فهو يرفض فكرة التراكم التجريبي الذي أنتج العلم، إذ أنه في كل مرحلة هناك نظام يحدد مجموعة من المشاكل و يقترح لها حلول، كما أن تاريخ العلم يبين أن الإكتشافات الفردية كانت حاسمة في تكوين و تطور العلم و هو ما يجعلنا نشك في العملية التراكمية التي كنا نفكر بها. فحسب كوهن في كل مرحلة من مراحل تطور العلم تتم إعادة بناء الأشكال المعرفية و حتى إستبدالها من براديغم لاخر.
يوضح كوهن هذا بشكل مفصل، ففي البداية يفرض براديغم ذاته و يكون ما يسميه كوهن "العلم العادي" و يقصد به البحث المؤسس بشكل صلب على أساس أو مجموعة من الأسس العلمية المتفق على صحتها من طرف جماعة علمية حيت يعتبرونها كافية لتكون نقطة انطلاق لباقي الاعمال، هنا يلعب تفكير معين قوة تجعل منه براديغما مهيمنا يسمح بالوصول إلى بعض النتائج و تحقيق شيء من التطور العلمي.
يفسر كوهن كذالك أن هذا لا يعني أن البحث تحكمه نظرة أحادية أو متعصبة بل إنه يسمح بتأويلات مختلفة لاكنها لا تخرج عن نفس البراديغم. بعد هذآ يواجه العلماء مشكلا يستعصي حله حسب النمط السائد علميا، أي أن العلم العادي يعجز حينما يصطدم بمشكل غير عادي يعجز البحت التجريبي عن إيجاد حل له، إنه شيء غير طبيعي بالنسبة للبرايغم، و هو ما يضع العلم العادي محل تساؤل. فيكون الإنقلاب عليه ضروريا لتحقيق التقدم. إذن يدخل النظام العلمي في أزمة فالمشكل لم يعد قابلا للتأويل أو المعالجة من طرف البراديغم.
و بما أن الحل ليس هو تجاهل هذا المشكل فالخروج من الأزمة سيتم من خلال ظهور أفكار و نظريات و مناهج جديدة ربما كانت مرفوضة سابقا و هو ما سينتج باراديغما جديدا له أتباعه و مناصروه من العلماء و المفكرين، و ستنشأ معركة بين البراديغم القديم و الجديد. إن هذا التحول هو ثورة في النمط العلمي.
عندما يعوض نمط براديغم واحدا اخر. تبدأ نفس الدورة من جديد و هكذا دواليك، إلا أن السؤال الذي يبقى هو مصدر محرك التطور. هل هو مرتبط بالبراديغم؟ أم خارج عنه؟ إذا كان مرتبطا به فهذا يعني أن البراديغم يحمل داخله نفيه و أن هركته الطبيعية هي نفي نفسه. أما إذا كان خارجا عنه فيجب تحديده. إذا افترضنا أن التجربة في التي تضع العلم العادي في الأزمة يبقى أن البحث التجريبي لا يحمل داخله البراديغم. يبقى تحديد العامل الخارجي أمرا صعبا إلا أن ما يرفضه كوهن هو أن يكون هذا التطور موجه أو بدون معنى. كما أنه يرفض الإعتقاد بأن البراديغم ليس سوى اعتقاد مرحلة معينة و أنه يشكل قطيعة مع باقي المراحل فحسبه لا يمكن نفي التطور الحاصل بين براديغم و آخر.
خاتمة جزئية :
وهكذا فمهما حاولنا، لن نخرج إلا بنفس النتيجة التي خرج بها شالمرز( ) (Alan F. Chalmers) و هو يعرض الخطوط الكبرى لإبستمولوجية كوهن حين لاحظ أن مفهوم الباراديغم يتفلت أثناء محاولة تعريفه. إننا لن نفهمه إلا من خلال وظيفته كموجه يوجه الباحثين وهم يشتغلون في إطار "العلم السائد". ولعل هذا التعريف الوظيفي هو ما يقربنا من تحليل كوهن القائل بأن النشاط العلمي لا يمكن أن يتطور إلا داخل باراديغم معتمد من طرف أعضاء مجموعة علمية وهم يشتغلون في إطار من المجابهة العلمية العاقلة. إنه توصيف جماعي واجتماعي للنشاط العلمي يكاد يقترب من التعريف الباشلاردي الشهير للمجموعة العلمية والذي يعتبرها بمتابة "إتحاد لعمال البرهان". 
لكن ما يهمنا من كل هذا، أن نفهم الطريقة التي تتفاعل بها القيم المشتركة مع التجارب الخاصة للأخصائيين المنضوين ضمن المجموعة العلمية، والطريقة التي يصل بها غالبية هؤلاء إلى ترجيح براهين على حساب أخرى. والأكثر أهمية أن نفهم أن الباراديغم يتشكل على إثر نقاش واسع بين العلماء يتلوه إجماع نسبي.
4. مفاهيم أخرى قريبة المدلول: 
مفهوم "المهيمن" La dominante:
قدم الشكلانيون الروس تصورا جديدا لتاريخ الأدب سعوا فيه إلى البحث عن العنصر المهيمن على النظرية الأدبية في كل عصر من العصور. وكمثال على هؤلاء نذكر ياكبسون الذي لاحظ أن مقومات فنية وأشكالا إنشائية معينة تهيمن في كل النصوص الفنية في زمن من الأزمنة، وأن العناصر التي كانت في الأصل ثانوية قد تغدو على العكس أساسية، والعناصر التي كانت في الأصل مهيمنة قد تفقد أهميتها فتغدو اختيارية ( ). 
مفهوم "الرؤية للعالم" La vision du monde:
يتعلق الأمر بمفهوم تمت بلورته ضمن المنهج البنيوي التكويني، مع لوسيان غولدمانLucien Goldmannm على الخصوص. يرى هدا الناقد الفرنسي أن الأعمال الأدبية، وكذا الفلسفية تحمل رؤية للعالم. ويعني بهذه الرؤية مجموع الأفكار والمشاعر والإحساسات التي تجمع بين أعضاء جماعة ما، وتجعلها في تعارض مع الجماعات الأخرى ( ). 
يشير "غولدمان" إلى أن هذه الرؤية تتكون أصلا في وعي الجماعة الاجتماعية. إذ لا يمكن لها أن تنتج "إلا عن النشاط المشترك لعدد مهم من الأفراد الموجودين في وضعية متماثلة.
مفهوم "أفق الانتظار" L’Horizon d'Attente:
تبلور هذا المفهوم ضمن تنظيرات نظرية جمالية التلقي في ألمانيا. فإذا كان "لوسيان غولدمان" يتحدث عن الرؤية للعالم التي ينطلق منها المؤلف، أو الكاتب، أوالفيلسوف، فإن الناقد الألماني "هانس روبير ياوس" H. R. Yauss قد تحدث عن الرؤية للعالم التي تحكم القارئ في تعامله مع النصوص الأدبية ( ). ويبدو أن ما نظر له توماس كوهن في إطار العلوم الطبيعية، هو ما حاول ياوس إثباته على مستوى النظرية الأدبية. فبين أن القراء في عصر من العصور، وفي سياق حضاري معين يعتمدون في استقبالهم للأعمال الأدبية عن تصور معين أو عن رؤية معينة سماه –كما ذكرنا سابقا- "أفق الانتظار.
مفهوم "الهابيتوس" L’Habitus :
في سياق تتبع مفهوم الباراديغم وما يقابله من مفاهيم في الحقول المعرفية الإنسانية المختلفة، ننتقل إلى مفهوم آخر صاغه عالم الاجتماع الفرنسي "بيير بورديو"Bourdieu P. . فالحياة الاجتماعية - من منظور "بيير بورديو"- قائمة على مجموعة من الأنساق التنافسية. كل نسق منها يعمل وفقا لمنطقه الداخلي الخاص؛ يتألف من مؤسسات وأفراد يتنافسون على الرهان نفسه، المتمثل في الحصول على الحد الأقصى من السيادة داخل النسق. فحين يتم تحصيل هذه السيادة، ويتم الاعتراف بها اجتماعيا تتحول إلى رأسمال رمزي. يتمثل الهابيتوس هنا في مجموع القيم المعنوية، والاستعدادات المكتسبة،التي تؤطر النسق من الخلف. وهو النظام المعنوي المولد للاستجابات، المتكيف مع متطلبات مجال معين. إنه نسق من مخططات الإدراك والتقويم والفعل التي غرسها المحيط الاجتماعي داخل الفرد في زمان ومكان معينين. يستعمل "بورديو" هذا المصطلح في مجمل دراساته، باعتباره مفهوما يتخذ عدة أبعاد : بعد نفسي يتمثل في الجوانب ذات العلاقة بالذوق والشعور والوجدان، و بعد عقلي له علاقة بالأفكار والفهم و التحليل، وبعد أخلاقي مرتبط بالسلوك و المواقف و القيم, ( ) 
مفهوم "الإبيستيمي" (L’épistémé) لميشيل فوكو:
لكن المفهوم الذي يقترب أكثر من دلالة الباراديغم هو من دون شك مفهوم الإبستيمي. لقد برهن "ميشيل فوكو" على وجود نظام إبستمولوجي عميق يجمع بين مختلف المعارف السائدة في فترة زمنية معينة. ويطلق فوكو على هذا النظام تسميات متعددة منها: "إبيستيمي" Epistème" و"إواليات تاريخية" A priori historique و"شروط الإمكان" ....إلخ. يعني بهذا النظام مجموع الشروط القبلية التي تنظم المعارف والمفاهيم وطرق التفكير في عصر من العصور ( ). يمثل هذا النسق الشروط القبلية والمعايير المسبقة التي تكون وراء المعارف. إنه التنظيم الخفي والعميق الذي يربط في عصر من العصور بين مختلف النظريات والمفاهيم والعلوم. ويذكر فوكو ثلاثة إبيستيميات متعاقبة : عصر النهضة والفترة الكلاسيكية والفترة المعاصرة. فالإبيستمي الأول ميزته المماثلة، والإبستمي الثاني تغلب عليه التمثلات والنظام والهوية والإختلاف، في حين أن الإبيستمي المعاصر يعرف هيمنة مواضيع أخرى تشمل الحياة والعمل واللغة.( ) 
أما الانتقال من مرحلة إلى مرحلة فيحكمه الإنفصال والفجائية، حيث تستبدل بنية ببنية أخرى جديدة، لكن لا يمكننا تحديد الكيفية التي تتغير بها هذه البنيات. وتبقى هذه القطائع من النقط الكبرى التي ينفذ عبرها منتقدي هذا النوع من التحليل. 
من المفيد الإشارة هنا إلى أن الإطار المرجعي الذي يستند إليه فوكو في هذه الأطروحة هو الفلسفة البنيوية. لذلك يستند التحليل الذي يقدمه إلى التمييز في خطاب المعرفة بين مستويين مختلفين:
مستوى ظاهري سطحي، يتحقق في السياق العملي التجريبي للعلوم والأفكار والمفاهيم. ويمثل هذا المستوى محور اشتغال تاريخ الأفكار.
مستوى آخر يتمثل في ما يسميه "شروط الإمكان"، وهي عبارة عن مبادىء قبلية ناظمة لمستويات وأشكال التفكير المختلفة في مرحلة تاريخية معينة. هذا المستوى هو الذي يبحث فيه ما يسميه "علم الأركيولوجيا". 
لذلك يؤكد ميشال فوكو على أن في ثقافة كل عصر يوجد "نظام عام" خفي وصامت تنشأ عنه بالضرورة طرق الرؤية إلى الأشياء، ويعتبر هذا النظام شرط إمكان الأشكال المعرفية المختلفة: "هو الذي يشكل الأرضية التي تتأسس عليها المعارف ولا يوجد إلا في صورة ما لا نعرفه؛ هو الذي يخلق شروط التفكير ولا أحد يفكر فيه؛ هو الذي يمنح كل واحد القدرة على الكلام ولا أحد يتكلمه"( ).
ليس هناك سوى "إبستيمي" واحد في ثقافة معينة، وفي فترة تاريخية محدودة، وهو الذي يحدد شروط الإمكان بالنسبة لكل معرفة، سواء تلك التي تظهر في نظرية ما، أو تلك التي تستثمر بصمت في الممارسة. وعن طريق بلورته لهذا المفهوم، يمهد فوكو لانتقاد المناهج التقليدية المعتمدة في تاريخ الأفكار، والمقتصرة -في نظره- على التأويل والشرح والتعليق، ومحاولة فك رموز التاريخ. لذلك فهو يحاول من خلال مفهوم الإبيستيمي تجاوز هده المستويات، مفترضا أن النصوص تكون دائما محملة بمعان متخفية وعميقة. ويكمن دور المحلل في محاولة الوصول إلى هذه المعاني، معتمدا في ذلك على معارفه. من هنا فقدرة المحلل على النفاذ تعود أساسا إلى سعة ثقافته؛ إذ كلما كان المحلل موسوعي التكوين والثقافة كلما استطاع الوصول إلى المعاني المتخفية والعميقة للنص.
مهما يكن، فمفهوم الباراديغم عند كوهن ، ونفس الشيء يقال على مفهوم الإبستيمي عند فوكو، أزال البساط عن التصور الذي يرى تاريخ الأفكار في شكل خطي وأنها تكتمل مع الزمن حسب الشروط الآنية، وكذا التصور المثالي الذي يرى أن التاريخ يحقق الأفكار الأبدية. مثل هذه التصورات أصبحت الآن متجاوزة، وما هو مقبول حاليا هو أن ثمة تغيرات ثقافية تجعل تفكيرنا يختلف باختلاف الزمن. 
5. هل يمكن الحديث عن باراديغم لعلوم التربية ؟
نستحضر فكرتين أساسيتين انتهى إليهما توماس كوهن :
الفكرة التي أثارت الإنتباه حول الطابع الاجتماعي للنشاط العلمي وكسرت التصور التقليدي الذي يعتبر العلم بمثابة مجابهة للعقل مع الطبيعة.
الفكرة التي تقول بأن وجود العلم مشروط بوجود باراديغم مشترك في المتحد العلمي.
إن تطبيق هاتين النتيجتين على علوم التربية يقتضي استحضار حصيلة ذات شقين. فمن جهة يلاحظ أن المتحد العلمي موجود بالفعل على المستوى الجامعي وعلى مستوى المجلات العلمية والندوات وعلى مستوى التنوع الكبير للإشكاليات التربوية المطروحة والمناهج والأصول المعرفية للباحثين... لكنه ليس منتظما حول باراديغم مشترك، وهذا هو الشق الثاني من هذه الملاحظة.
لكن هل يشمل هذا التوصيف كافة العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تنتمي إليها علوم التربية؟ نعلم أن ثمة مجموعة من الاعتراضات أقيمت تاريخيا ضد علمية هذه العلوم بالاستناد إلى أن النموذج المحتذى هو بالضرورة نموذج علوم الطبيعة. وإن شئنا تنظيم هذه الاعتراضات لوجدنا أنها تنتظم في ثلاث مستويات:
مستوى الموضوع : علم الإنسان لا يمكن أن يوجد بالقياس إلى علم الطبيعة، لأن الإنسان كائن حر، الشيء الذي يطرح مشكل التوقعات.
مستوى المنهج : ترتبط الاعتراضات الموجهة ضد المنهج المعتمد في العلوم الإنسانية بالاعتراض القائم حول الموضوع. فالمنهج التجريبي لا يمكن أن يطبق على الإنسان لأنه يفترض تفريقا صارما بين الذات وموضوع النشاط العلمي، أو على الأقل ضبطا صارما للعلاقة بينهما، الشيء الذي يستحيل مع العلوم الإنسانية. ولا ننسى الأخلاقيات التي تشجب تطبيق المنهج العلمي الصارم على الإنسان. 
مستوى الشكل : يستحيل صياغة قوانين وتعميمات رمزية رياضية تختزل خطاب العلوم الإنسانية. 
ما إن نتخلص من المنطق الذي يعتبر العلوم الطبيعية نموذجا لسائر العلوم حتى تتهاوى هذه الاعتراضات كلها، خصوصا عند أخذنا بالمنطق الكوهني الذي أضفى الصفة الاجتماعية على العلم. فالشرط الأول لا يطرح إشكالا بالنسبة للعلوم الإنسانية لأنها تزاوَل فعليا ضمن متحد علمي، إلا أن حجر الزاوية هو وجود أو غياب باراديغم مشترك أو على الأقل مهيمن في هذه الحقول المعرفية. فإذا كانت علوم الطبيعة تعتمد على الوصف والتفسير طبقا للباراديغم الذي يوجهها، فإن العلوم الإنسانية تعتمد بالإضافة إلى هاتين العمليتين على التأويل (المعنى) والتقييم (القواعد والقيم). ويمكن القول أن هذا التوصيف يشكل الباراديغم الخاص بهذه العلوم.
أما في علوم التربية فيجب اعتبار ما يلي :
ارتبط تاريخها ببعض الأصول الأولى (1880-1900) عندما كانت مرادفا للبيداغوجيا. و تجذر الإشارة هنا إلى تربويين من قبيل فريني ومونتيسوري وأخرين. وقد ارتبطت هذه الفترة بالضرورة الملحة لتكوين مكثف للمعلمين. 
بعد ذلك ظهرت شعب مختصة بهذا المجال المعرفي في نهاية الستينات بفرنسا. غير أن علوم التربية آنذاك لم تكن تتوفر على تقاليد كافية في ما يخص توظيفات الأساتذة المختصين، إذ الملاحظ أن معظمهم انحدر من تخصصات أخرى خصوصا على مستوى الجيل الأول. لكن يمكننا أن نلاحظ أن هذا التعدد في المشارب والتخصصات (السيكولوجيا والسوسيولوجيا خصوصا) والإشكاليات العلمية والمناهج والباراديعمات هو الذي سيساهم في ما بعد في تشكيل بدايات أولى لعلم التربية. وارتبطت هذه المرحلة بالانتقادات والاعتراضات التي نصبت ضد علمية العلوم الإنسانية عموما.
من هنا فالمجموعة العلمية النشيطة في حقل علوم التربية موجودة بالفعل، أما انتظامها حول باراديعم مشترك أو مهيمن فثمة خلاف كبير بهذا الصدد. فحسب ميالاري فالباراديغم الحاضر منذ الستينيات هو "الباراديغم المدرسي"، حيث المقاربة المعتمدة كانت حصريا أمرية تلزم الفاعل على تطبيق أوامر تربوية أثناء الفعل التربوي.( ). 
عموما، فحسب المعجم الكوهني يمكن القول أن علوم التربية لا تزال في مرحلتها الحرجة التي لا تخول لها الرقي إلى مستوى العلم السائد. 
6. خاتمة:
إجمالا يمكننا القول أن ظهور مفهوم "الباراديغم"، في دلالته الشائعة، يرجع بالأساس إلى الفيلسوف الأمريكي توماس كوهن. غير أن ارتباطه بهذا المفكر لا يعني إقصاء المقاربات الفلسفية الأخرى التي مهدت لظهوره. وبناء عليه فقد تبين لنا من خلال هذا العرض أن هذا المفهوم لا يمكن أن ندرسه خارج السيرورة التطورية لمجال الإبستمولوجيا، من المدرسة التجريبية إلى المدرسة، مروراً بالوضعية،. إن هذا المسار هو المخاض الذي تولد عبره الباراديغم كمفهوم جديد ليصبح النبراس الأساسي لتفسير الدينامية التي تحكم تاريخ العلوم.
من جانب آخر فإنه لا يكتمل الحديث عن البارادبغم بحصره فقط في دلالته الابستيمولوجية، الشيء الذي دفعنا إلى تناوله أيضا في السياقات الأخرى التي استعمل فبها في ما قبل، خصوصا في سياقه اللساني البنيوي. 
بالإضافة إلى هذا، حاولنا عرض مفاهيم أخرى تقترب من حيث الدلالة بالمفهوم المدروس، مثل مفهوم المهيمن ومفهوم الرؤية للعالم ومفهوم أفق الانتظار ومفهوم الهابيتوس وخصوصا مفهوم الإبيستيمي. فعلى الرغم من وجود اختلافات أساسية بينها وبين مفهوم الباراديغم، سواء من حيث الأسس الفلسفية التي تقوم عليها، أم من حيث الأدوات الإجرائية التي تتوسل بها، فإنها تشترك معه في خصائص كثيرة. 
وتوقفنا للحديث عن علوم التربية وتبين لنا أن هذا الحقل المعرفي لا زال في مرحلة ما قبل العلم السائد، حيث أن باراديغمه االخاص لم يتبلور بعد، حتى وإن كانت المجموعة العلمية المنضوية في إطار هذا الحقل موجودة وجودا فعليا عبر اشتغالاتها الأكاديمية، وعبر أنشطتها الحاضرة في المجلات التربوية وفي الندوات وغيرها. 
كما مكننا العرض من الوقوف على حقيقة النظرة العلمية، إذ تبين لنا أنها لا يمكن أن تكون محايدة لأنها محكومة بسلطة مفاهيمية مرجعية متخفية. وهو استنتاج يقترب كثيرا من ملاحظات المفكر الإسباني توماس إبابييس (Tomás Ibáñez) حيث قال : 
“La respuesta a una pregunta tan sencilla como « ¿cuántos objetos hay aquí? » depende de las convenciones que utilicemos para definir el concepto mismo de objeto. Esto significa que los objetos no están dados de antemano, esperando que podamos enumerarlos (…) La conclusión es simple, no hay objeto preexistente a las convenciones que lo construyen.” ) )
"إن الإجابة على سؤال سهل من قبيل » كم عدد الأشياء الموجودة هنا ؟ « يرتبط بالاصطلاحات التي نستعملها عند تعريفنا لمفهوم الشيء نفسه. هذا يعني أن الأشياء ليست معطيات مسبقة تنتظر منا أن نعدها (...) إن النتيجة بسيطة : لا يوجد شيء سابق على الاصطلاحات التي تشكله." ترجمة شخصية.

بيبليوغرافيا
• ميشيل فوكو، الكلمات والأشياء، ترجمة: مطاع الصفدي، د. سالم يفوت، د. بدر الدين عرودكي، د. جورج أبي صالح، كمال اسطفان، مركز الإنماء القومي، 1990.
• ميشيل فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة : سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1986.
• توماس كوهن، بنية الثورات العلمية، ترجمة حيدر حاج اسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007 
• د. عبد الرزاق الدواي، موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، 1992، ص: 144.
Bourdieu P., Question de sociologie, Minuit, Paris, 1980.
Chalmers A.F., Qu’est-ce que la science ? Popper, Kuhn, Lakatos, Feyerabend, Livre de poche, biblio-essais, 1990.
Foucault M., Les mots et les choses, Paris, Gallimard,1966.
Foucault M., L'archéologie du savoir, Paris, Gallimard,1968. 
Goldmann L., Marxisme et sciences humaines, Gallimard, Paris ,
IBÁÑEZ, Tomás : Municiones para disidentes. Realidad, verdad, política; Gedisa, Barcelona, 2001, P : 82.
Jauss H. R., Pour une esthétique de la réception, Gallimard, Paris, 1978, 49-52
Kuhn T., La structure des révolutions scientifiques, Flammarion-champs, 1983.
Lévy-Leblond J-M, Paul Feyerabend, un épistémologue hors norme, Alliage, n°28, 1996.
Mialaret G., Les sciences de l’éducation, PUF, Que sais-je ?, 1993.
NEURATH, Otto; Fundamentos de las ciencias sociales, Taller de ediciones Josefina Betancor, Madrid; 1973.
SAUSSURE, F. DE (1916), Curso de Lingüística General. Edición Crítica de Tulio de Mauro, Ed. Losada, Buenos Aires. 1945.



عن صفحة: الاستاذ د. الحسن اللحية

tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: