المقاربات في علوم التدبير:
الحسن اللحية
الحلقة الرابعة: المقاربة النسقية
المقاربة النسقية:
يقارن النسقيون بين المقاربة النسقية والدينامية والمقاربة الديكارتية التحليلية السكونية بحثا عن التمفصلات بين المقاربتين. والنسقية في نظرهم تعمل على اقتراح طرق لفهم الوضعيات المعقدة واقتراح حلول للمشاكل المطروحة فعليا.فهي في نظر الباحثين مقاربة توفر شبكات للقراءة وأدوات للملاحظة، وطورا تعمل كبراديغم يدخل إشكالات جديدة وممارسات جديدة. وهي مقاربة حاضرة في العلوم الاجتماعية، حيث إنها لا تشكل إلا مرشدا بسيطا للبحث كما قال برنار بيير ليسيير. وينظر إليها كثير من المسؤولين في التنظيمات كأداة تساعدهم على اتخاذ القرار(74)(Alain Bouvier,Management et projet.coll.former ,organiser pour enseigner.Ed.Hahette.Paris.p16) . وأما من جهة أصل هذه المقاربة فإنها تجد جذورها في العلوم العرضانية مثل البنيوية والسبيرنطيقا ونظريات اللعب والاستعلام واللسانيات والبيولوجيا وعلم النفس والسسيولوجيا والأنتروبولوجيا وبصمات التقنية والتكنولوجيا والفزياء.ويرجع تاريخ ظهورها إلى 1940 (75) ومن جهة الموضوع فإنها تهتم باللامتناهي المعقد.
تنطلق المقاربة النسقية من المسلمة القائلة بأن الكل يتضمنه الجزء والجزء يتضمنه الكل او من القولة القائلة بأن إثنين وإثنين يساويان خمسة. إن ما يهم هنا هي العلاقة، في الدرجة الأولى، بين الكل والأجزاء، وحيث المسلمة هي ان الكل أكبر من مجموع أجزائه. فالكائن الإنساني الحي هو أكثر من تجميع خلاياه لعدة اعتبارات وقد لا يتحكم في أجزائه التي تعمل وفق قوانينها الخاصة رغم أنها أجزاء من الكل.وأن محاولة فهم هذا الكائن قد لا تتأتى بتقسيم أجزائه إلى أجزاء بسيطة؛ أي باللجوء إلى المناهج التحليلية الكلاسيكية؛ إذ في هذه الحالة كيف سنفهم الكل في كليته أو كيف سنعيد تركيبه وبناءه؟(76) .
فإذا كان إدغار موران قد لاحظ أن الكل أكبر من مجموع أجزائه المشكلة له فإن هذا الكل بتعبير آخر يكون أصغر من أجزائه. وبإيجاز شديد يوجد الكل في العلاقة التفاعلية بين الأجزاء والتبادلات. ومن تم فإن تعقد نسق معين يعود إلى تنوع علاقاته الداخلية.
إن النسق وحدة معقدة منظمة، وهو كذلك مجموعة من العناصر (مكوناته) المتفاعلة فيما بينها ديناميا والمنظمة وفق وظيفة أو وظائف لتحقيق هدف أو أهداف . فالنسق كالإنسان والبحيرة والغابة والعائلة والجماعة والتنظيم والمدرسة والإنسان الآلي ووضعية التعلم والدماغ البشري إلخ... ولهذه الاعتبارات يستقيم الحديث عن النسق الاقتصادي والسياسي والديني والفلسفي والتربوي والتكويني ، وبالتالي يجوز القول في نظر البعض بأن الحياة ماهي إلا نسق الأنساق، حيث بعض الأنساق تكوي جامدة وأخرى حية أو تطورية، والحياة هنا تعني التغير(77) .
ورغم التعقيد الذي يميز النسق فإنه يعطيه وحدة وهوية تتجلى في كليته الغائية.فلولا الغائية لما تحدثنا عن هوية النسق. وتلك الغائية هي التي تنعشه وتسمح بتحديده، علما بأننا لا نغفل بأن النسق يتطور في وسط ما عليه أن يتكيف معه وإلا كان اختفاؤه حتميا. ويكون التكيف بتطوير الامكانات وإدخال التعديلات ومتابعة الغائية وبناء المشاريع وتجديدها.
كيف نعرف بأن نسقا ما بأنه نسق حي؟ وكيف نصفه لأن كل ما يحدث في نسق معين هو من النسق؟ ألح إدغار موران على فكرة النسق المفتوح، معتبرا أن التبادلات هي التي تغني النسق وتغذيه وتجعله يعيد التشكل بلا نهاية، علما أنه للنسق طبيعة الميل نحو الانغلاق أكثر فأكثر.لكن النسق المنغلق لا يتبادل مع محيطة.
وللنسق كذلك وظائف كما هو الحال في مؤسسة مدرسية أو مقاولة. وكل نسق حي مفتوح في نظر الفكر التحليلي يفكر في الاحتياطي ، والفكر النسقي يفكر في التدفق (من أين يأتي التلاميذ؟ من هم؟ وفي التجهيزات والمواد والطاقة والاستعلام..) والتحولات التي تصيب الموارد. هكذا يتم التفكير في المسار والمآل والمدد الزمنية إلخ...(78) .
لقد كان التقليد الديكارتي يحصر التفكير في السبب والنتيجة: أ هي أصل ب. تكون العلاقة بين ألف وباء علاقة بسيطة وواضحة لأنها علاقة سببية معروفة للجميع، ظاهرة بذاتها يمارس الأول تأثيره على الثاني او يكون الأول سببا في ظهور الثاني. وعلى عكس هذه العلاقة كانت التيرموديناميكا ترى ان ألف تمارس قوة على باء وباء بدورها تمارس قوة على ألف.
يستفاد من التريموديناميكا ما يسمى بالتغذية الراجعة (الفيدباك)، أي التأثيرات التي تمارسها المدخلات على المخرجات في النسق والمخرجات على المدخلات في النسق نفسه أو ما يسمى كذلك بالارتجاع.
من بين الارتجاعات هناك ما يصنف في الجانب السلبي الهادف إلى الحفاظ على استقرار النسق أو توازنه، وآخر إيجابي يستهدف التطوير والتغيير.
وللنسق كذلك أنساق صغرى تنضوي تحته يسري عليها ما يسري عليه رغم أنها تبحث عن التميز عنه بتحقيق غاياتها النوعية.وعلى وجه العموم فإن كل نسق مهما كان هو في حد ذاته نسق صغير لنسق أكبر يسمى محيطه. وما يميز هذا النسق الأكبر نجد خاصية التطور والحركية إلخ... وقد عبر هربرت سيمون عن ذلك بقوله أن ما يظهر من تعقيد في السلوك الإنساني هو انعكاس لتعقيد المحيط الذي يعيش فيه(79) .ولكن بالمقابل نجد أن النسق يؤثر في محيطه كذلك مثل وجود مدرسة في حي أو قرية نائية.يسمى هذا الجانب من التأثيرات المتبادلة بين المحيط والنسق التطور المتآزر، وبالتحديد أن النسق يؤثر في المحيط عبر مخرجاته. كما لا يمكننا ان نفهم النسق أو النسق الصغير المنضوي تحته في غياب السياق والمعرفة به؛ بمعنى العلاقة او العلاقات التي توجد بينهما(بين المحيط والنسق) لأن اهداف وغايات النسق تعبر عن نفسها من خلال تبادلاته مع المحيط.
كما لا ينبغي ان نغفل تراتبية المحيط لأن مدرسة مثلا قد لا تتأثر التأثير البالغ بالمحيط القريب أكثر من المحيط الذي يمارس مراقبته عليها كالنيابة أو الأكاديمية أو الوزارة. وجانب المعنى المتمثل في الوظيفة التي يقوم بها النسق في محيط معين. فدور مدرسة أو وظيفتها لا تجد معناها إلا بالنسبة لملاحظ يصفها في المكان (الفضاء) الذي توجد فيه.ولهذا يقال بأن النسق يحتمل منظورين؛ أولهما المنظور الداخلي. وثانيهما المنظور الخارجي. يرى الملاحظ النسق، من منظور خارجي، كوحدة وككلية ويظل بالنسبة إليه عبارة عن علبة سوداء. والمنظور الداخلي يرى النسق كوحدة مركبة يصف في حديثه عنها مكوناته وتفاعلاتها.
ويشترط ألان بوفيي أنه من أجل فهم النسق فهما عميقا كوحدة لابد من النظر في الحدود، أي النظر في الاكراهات والعلاقات والسياق الذي تتموقع فيه الوحدة لأن معظم الحدود متحركة وغامضة وغير مدركة مما يجعلها عصية عن الادراك بالتدقيق: ماهي حدود مدرسة مثلا؟ إن النسق المفتوح يكون دائما،حسب تعبير فليب بيرنو، فوق شفرة الحلاقة؛ كلما كان منفتحا بلا حد يفقد هويته وتماسكه، وكلما كان أكثر انغلاقا لايتجدد وقد يختفي من الوجود(80) . يمكننا أن نتساءل وفق هذا المنظور فيما يتعلق بالمدرسة عن مكوناتها وعلاقاتها بمحيطها. وماهي العلاقات التي ينبغي قطعها او إضافتها دون أن تفقد المؤسسة المدرسية خاصيتها المدرسية؟.
يلاحظ ألان بوفيي أن الأنساق لا توجد في ماوراء شروط تشكلها، بل بالشروط التي تجعلها كذلك مثل المنخرط في ناد أو أستاذ في مؤسسة. ويخلص إلى القول بأن الحدود مهمة في المعرفة بالظواهر التي تؤثر في حياة النسق.
ومن جهة وصف النسق فإنه يمر بتحديد أجزائه ووحداته وأنساقه الصغرى المشكلة للنسق المتآزر.فماهي العلاقات بين وحدات نسق ما؟ وما هي الوحدات التي تجعله يوجد كنسق؟ فجميع الأنساق الصغرى المشكلة للنسق، كما قلنا آنفا، لها غاياتها الخاصة المتميزة عن غايات النسق الكبير الحاوي للأنساق الصغرى. فالتنسيق بين الأنساق الصغرى لتحقيق غايات النسق الشامل لها تطرح مشاكل كثيرة للقيادة. وبالنظر لأهمية تدبير المشروع الكلي سيعمل ألان بوفيي على تخصيص فصل خاص للمشروع المدرسي سنأتي على تناوله فيما بعد.
للنسق كذلك بنية تشكل هيكله.تتكون هذه البنية من مكوناته وحدوده وموارده وشبكات التواصل الداخلية؛ أي العلاقات بين عناصره. إن البنية هي تنظيم بين أجزاء الوحدات. والتنظيم هو الزيادة في نظام السيرورات ويتشكل بدوره من شكل العلاقات بين مختلف المكونات، إنها العلاقة بين العلاقات. ومن تم جاز القول بأن التنظيم هو المفهوم المركزي في النسقية.
كيف يتم التدخل في عائلة من حيث أنها نسق أو غيرها من الأنساق كالمدرسة مثلا؟ تتشكل العائلة من أفراد يعيشون معا أو ما يفترض أن يكونوا عليه. ماهي العناصر التي ينبغي أن تتوفر بين العناصر المشكلة للعائلة للقول بأن هذه العائلة هي عائلة؟ لا بد من تفاعلات بين العائلة والخارج لتجعل العائلة تتصرف كوحدة. وإذا ما افترضنا بأن عائلة تاه عناصرها بين جمهور غفير أثناء متابعة مباراة في كرة القدم أو تشتت أعضاؤها في أركان الملعب هل ستتصرف كوحدة أي كعائلة؟ بالطبع لا. هكذا يبدو لنا أنه لا معنى لوحدة العائلة بدون وجود فضاء معين مثل مؤسسة مدرسية(81) .
يدخل كل عنصر في نسق معين في علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع جميع العناصر الأخرى. وكل تعديل أو تغيير يطال شكل علاقة ما يمس الآخرين وقد يتغير النسق برمته مما يجعل القرار القاضي بإحداث تغييرات صعب لأن المقرر يهاب المفاجئ واللامتوقع والمباغت واللاستقرار.
يبدو تعقد النسق كجهنم التي يخافها الجميع، والتعقيد دائما يأتي من الآخرين. لكن التعقيد يوجد في الكل. فماذا يعني التعقيد؟ ينظر إلى التعقيد كتحد تواجهه المؤسسة للامساك باللامتوقع أو للتحكم على مستوى التدبير في الطارئ والمفاجئ والمطلوب والمنفلت وكأن التنظيم لا يحيا حياته الفعلية ولا يستمر في الوجود إلا بفضل التعقيد وعالم الاحتمال والمفاجأة. ولا يكون التفكير ناجعا إلا بالنسبة لكذا وكذا، لكن التفكير لا يكون إلا منمذجا.
تقبل المقاربة النسقية بالتعقيد والاشتغال في الآن نفسه على النظام والفوضى. ونجمل ذلك في الرأي القائل بأن النسق المفتوح يقوم على بعض المبادئ منها الكلية والغائية وأهمية التفاعلات الداخلية والخارجية والتوازن الدينامي. كما لا ينبغي أن نغفل بأن كل نسق من الأنساق هو في حد ذاته منتوجا وليس معطى، بل وليس "شيئا طبيعيا" مثل الخارطة مما ييسر تعديله أو تغييره أو تغيير وتعديل وتحويل تمثلات الفاعلين. وأخيرا يتساءل ألان بوفيي قائلا ما إذا كانت المقاربة النسقية تصلح للمؤسسات المدرسية؟ فيجيب بأن التدبير بالمشاريع هو قدرتها على قيادة تعقيدها(82).
تمكن المقاربة النسقية من معرفة الوجهة التي نريد الاتجاه نحوها: إلى أين نسير؟ وإذا ما اخذنا بعين الاعتبار المحيط إلى أين نتوجه؟ وكيف تتم قيادة التطورات وتطورات النسق؟.
إن النظر إلى التنظيم كنسق يعني إدراكه كوحدة نوعية لها غاياتها التي يمكن الإمساك بها وأهدافه المؤكدة أو القابلة للملاحظة وحدوده ومحيطه المعطى، وهذا ما يجعل المقاربة النسقية تختلف عن المقاربات السابقة التي كانت تنظر إلى التنظيم معزولا عن المحيط منغلقا على ذاته؛ إننا الآن أمام مقاربة تنظر إلى النسق في انفتاحه على المحيط وبغاياته، نسق متفاعل وحي ومتحرك له منتظرات وعليه أن يستجيب لمتطلبات.كما له أنساق متآزرة، وهو في تحول دائم ومستمر(83) .
يكون التنظيم في المقاربة النسقية كالعلبة السوداء التي لا يرى فيها الاقتصاديون إلا المدخلات والمخرجات؛ بحيث أن المدخلات والمخرجات لا ينظر إليها إلا من الجانب المادي والهدر والخدمات.ومن تم تختزل النجاعة في جوانب كالتكلفة وانعدام تطابق المخرجات مع النتائج المتوقعة والانتظارات القائمة والغايات المسطرة إن وجدت غايات.
يخترق المقاربة النسقية للتنظيمات مجازان؛ أحدهما مابعد تايلوري يرى التنظيم كآلة معقدة تقوم على التعديل الذاتي (والتأثير هنا يأتي من السبرنطيقا والفزياء والتكنولوجيا). والمجاز الثاني يرى التنظيم كتنظيم حي (وهو متأثر بالبيولوجيا والأنتربولوجيا والعلوم الاجتماعية). ومنطق العلية في منظور هذا المجاز الأخير ليس خطيا أكثر منه دائريا وفضائيا.
تطرح النسقية مجموعة من الأسئلة من قبيل: هل للتنظيم دائما هدف؟ وهل الغايات المعلن عنها لا تختفي ولاتتعدد...؟ وما هي أهداف المؤسسة المدرسية؟ وماذا نفهم من غاياتها؟ إلخ... كما تحصر النسقية عمل التنظيمات في تحويل المدخلات وفق الهدف المحدد وتكييفها مع المحيط. ومن هنا تبرز أهمية معرفة التبادلات بين التنظيمات والمحيط(84) .وبما أن التنظيم يشكل جزء من المحيط هناك حاجة لمعرفة الاتجاهات والتناقضات بينه وبين المحيط.
لقد تم التركيز على أهمية المحيط منذ الستينيات من القرن العشرين حينما ظهر التعبير القائل بإكراهات المحيط بالنسبة للنسق المفتوح. فما يميز المحيط أنه يتكون من أنساق اقتصادية وتكنولوجية وإيكولوجية واجتماعية وسياسية وقانونية وثقافية إلخ... التي تؤثر في النسق بنسب معينة.والمشكل المطروح هنا هو معرفة كيف يتخذ القرار في التنظيم ليتجدد نوع الوظائفية والتعديل داخل التنظيم.
يقوم تحليل مدرسة بالو ألتو Palo Alto للتنظيمات على الجانب العلائقي المرتبط بنسق من التواصل لمعرفة ما قد يحصل في حال حدث تناقض بين النسق الكلي ونسق صغير. وبذلك فإن النسقية لا علاقة لها بالتناغم الذي يبحث عنه علماء النفس في المقاربة الإنسانية والعلاقات الإنسانية الجديدة. يتعلق الأمر بالشك واللايقين الذي يتخلل التواصل والنزوعات الفردية والجماعية.

عن صفحة الأستاذ: الحسن اللحية



tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: