*مهمة التدريس بين التلقين و التشخيص**
من الأكيد و المعلوم أن مهنة التدريس تقوم بالأساس على مدى إلمام الممارس بتقنيات و أساليب التلقين و التوصيل للمعلومة المعرفية، و تجاوز جل العقبات التي تقف أمام المهمة سواء من خلال الصعوبات التي يجدها المتمدرس في الفهم و الإستيعاب، لكن قد يجد المدرس نفسه قد استنفذ كل الأساليب المتعارف عليها و التي تزود بها خلال مرحلة تكوينه و تدريبه، دون أن يحقق الأهداف المرجوة من مهمته، فيجد نفسه مضطرا إلى اعتماد نهجين في التعامل مع الإستثناءات التي تجد صعوبة في الإستيعاب أو تكون ميالة إلى الشغب و تشتيت انتباهها بأمور خارج عن نطاق التمدرس:
-العزل و التهميش، وذلك من خلال تقسيم التلاميذ داخل الفصل وفق سلم الفاعلية و القدرة على الإستيعاب و درجة الإنضباط و رفعة السلوك، حيث يتم ترتيب العناصر المتمدرسة وفق ثلاث إلى أربع صفوف، صف يتضمن التلاميذ المتميزون و المنضبطوا السلوك، و صف يشمل التلاميذ المتوسطوا الفعالية و القدرة على الإستيعاب، بينما الصف أو الصفين المتبقيين يضمان مجموعة التلاميذ المشاغبين و الضعيفي المردودية و القدرة على التحصيل.
وذاك خطأ شائع لأن هذا النهج يجعل عملية التدريس تشمل فئة دون أخرى مما يوقع العملية التدريسية في التجزيء و التحيز و يضعف قوتها، وذلك ما يتعارض مع الهدف الأسمى للتعليم الذي يتغنى بشعار المعرفة للجميع دون استثناء و المدرس مكلف بتحطيم كل الصعوبات و المعيقات التي تقف أمام تنوير العقول بنور العلم و المعرفة، حتى يحارب الجهل و يتوقف الهدر المدرسي.
-المعاقبة الجسدية و النفسية: وهي أساليب يلجأ إليها بعض المدرسين، كأسلوب حسب إعتقادهم يكون ناجعا أمام فشل أساليب و تقنيات التوصيل الأخرى في تحقيق التلقين الجيد وتمكين الإستثناءات من الفئات المتمدرسة من التعلم و الإستيعاب، هو أمر غير مجدي بقدر ما يكرس ضعف القدرة على التحصيل و يقتل الرغبة في التعلم.
لذلك فكان من الأحرى أمام فشل التقنيات المعمول بها في عملية التلقين و التوصيل، العمل على فهم مواطن الخلل في قنوات التواصل بين المادة التعليمية و المتعلم، و التي قد تكون راجعة لعوامل نفسية و إجتماعية حيث تعمل هذه العوامل مجتمعة أو متفرقة في جعل المتعلم يعيش حالة من الخمول الفكري و الإنزوائية تارة و حالات من النشاط الزائد في الأمور التافهة و النزوح نحو إثارة المشاكل و خلق الفوضى مما يجعل هاته الأخيرة مشتتة التركيز منشغلة التفكير في أغلب الأحيان، ما يحول دون توصلها بالمعلومات المعرفية و يفقدها بالتالي القدرة على التحصيل و الإستيعاب، لذلك كان حريا بالمدرس أن يعتمد أسلوب المراقبة الدقيقة و التشخيص من خلال إنجاز قائمة تتضمن أسماء التلاميذ داخل فصله الدراسي منذ أول يوم دراسي له و تسبق هاته العملية جلسة تعارف خلال أول لقاء بين المدرس و التلاميذ الجدد بتم خلالها التعارف بشكل ودي بعيد عن الشكليات حيث يشترط في هذا اللقاء الأول -و الذي يكون بمثابة أساس نجاح مهمة التلقين الجيد و الإستعاب الأفضل مستقبلا- أن يكون المدرس بشوشا و يتمتع بروح مرحة لأنها خطوة مهمة في خلق جو من الإرتياح و ترك انطباع جيد لدى المتمدرسين نحو مدرسهم، مما يمهد الطريق نحو خلق جو مشبع بالثقة و الطمأنينة خصوصا من جانب المتمدرسين تجاه المدرس، مت يضمن سلاسة قنوات التواصل مستقبلا.
ثم تأتي عملية التتدقيق من خلال إنجاز قائمة استثنائية بأسماء المتمدرسين تتضمن سكناتهم و حركاتهم انشغالاتهم، حالة خمولهم و فترات نشاطهم، وجل الملاحظات الكبيرة و الصغيرة و إن بدت تافهة تكون في غاية الأهمية، وتكون هاته القائمة حاضرة بين يدي المدرس منذ أول يوم دراسي له مع تلامذته، حيث يعمل على تدوين كل مستجد متعلق بكل متمدرس على حدى ويتم تدارس و تحليل القائمة عند نهاية كل حصة تدريسية من أجل تشخيص أشكال الخلل ونقط قوة و ضعف كل تلميذ و بذلك يكون المدرس الأقرب لتلامذته من أنفسهم، من خلال إلمامه بتحركاتهم و التفاصيل الدقيقة المحيطة بهم بالإضافة إلى التنسيق الشبه الدوري مع أسرهم.
ومن الأكيد أن عملية التشخيص تبقى ضرورة ملحة و شديدة الأهمبة إلى جانب إجراءات أخرى من أجل تطوير أداء المنظومة التربوية وتحقيق أهدافها كاملة.

(عبدوربه الكسيري الكوشي)







tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: