الامتحان المهني وسؤال الحكامة؟

محمد بوتلغت*
ستوضع الشغيلة التعليمية في محك امتحان الكفاءة المهنية مجددا وسط ظروف خاصة تميزت بإجراء الاستحقاقات الجماعية وإطلاق مشروع المنهاج الدراسي المنقح للسنوات الأربع الأولى للتعليم الابتدائي في عدد من المؤسسات التعليمية في أفق تعميمه مستقبلا أملا في إيجاد صيغ ملائمة لتجاوز الفشل الذي لازم المنظومة التربوية منذ عقود عبر بلورة تصورات ملائمة وبرامج قابلة للتنفيذ قد تؤتي أكلها بعد حين وقد تعود بنا سريعا للبداية.
واعتبارا لما للامتحان المهني من قيمة تحفيزية للترقي في سلم الوظيفة العمومية نجد أنفسنا مداهمين من قبل أسئلة نرى أنه من الضروري التحلي بقدر وافر من الموضوعية للإجابة عنها:
هل يمكن، حالا أو مستقبلا، أن نتوقع إعلانا لنتائج امتحان الكفاءة المهنية مشفوعا بنقط التقويم في كل مادة اختبارية، ونقط الإدارة التربوية؟ وهل من حق الموظف أن يطالب بمراجعة أوراقه كلما تبين له أن خطئا ما قد وقع في مرحلة التقييم أو مرحلة إدخال النقط للبرنام؟ وما القيمة المادية والبشرية، التي نتهرب من تحملها حتى نوفر للممتحن خدمة الاطلاع على تقييم أدائه عبر بوابة إلكترونية على غرار نتائج الباكالوريا؟ ثم، هل سنلمس جزءا يسيرا من ثمار دستور 2011 على هذا المستوى، بحكم تأسيسه لحق المواطن في الحصول على المعلومة، فبالأحرى المعلومة المتصلة بمستوى أدائه في اختبارات مهنية؟
وعلى مستوى تكافئ الفرص بين الجهات والأقاليم، ألا يمكن اعتماد "كوطة الامتحان المهني إقليميا، أو حتى جهويا بدل اعتمادها بشكل غير متوازن وطنيا، تفاديا لهيمنة جهات وأقاليم على أخرى، بفعل تغييب مبدأ الموضوعية في التقدير وتباين منسوب الصرامة والمرونة بين لجن التصحيح الإقليمية، أو بفعل حضور عامل الولاء القبلي والحزبي، كما تجلى بوضوح في نتائج امتحانات الكفاءة المهنية لسنة 2009 حين بسطت نيابتين تعليميتين الهيمنة على نسب الناجحين على الصعيد الوطني؟
ما سبب طول المدة الفاصلة بين موعد الامتحان المهني وتاريخ صدور النتائج، والتي تمتد أحيانا إلى سبعة أشهر رغم إدماج وسائل التكنولوجيا الحديثة في تدبير المنظومة التربوية والسرعة القصوى التي تنتهي بها عملية التصحيح؟ ألا يساهم هذا التماطل في إذكاء مشاعر القلق وتعزيز هواجس الأوساط التعليمية المشككة في نزاهة نتائج الامتحانات المهنية؟
إن الإفصاح عن معلومات المتبارين، يشكل أهمية معتبرة ليس فحسب للذين وفقوا، بل هو إجراء جوهري للفئة التي "أخفقت" وتستعد لإعادة المحاولة من جديد، وتأتي هذه الأهمية من زاوية الرغبة في معرفة مكامن الإخفاق ليستدرك ومكامن القوة ليعزز ويدعم، هذا بالطبع إن كانت الجهات المشرفة على هذا الورش السنوي تسعى لبلوغ غايات وأهداف تربوية نبيلة لصالح المهنة والعملية التربوية عموما ورأسمالها البشري تحديدا، وليس فحسب تنفيذ التزامات اجتماعية تجاه الهيئات النقابية وإن على حساب قضايا تؤثر حتما على تجويد أداء المدرسة الوطنية.
ويأتي هذا المطلب المشروع في ظل واقع غير سليم سنتناول بعضا من مظاهره السلبية، فخلال العشر سنوات الأخيرة كنا نرصد باستمرار لوائح ناجحين تضم أرقاما تسلسلية متتالية تعود لأفراد اجتازوا الاختبار داخل نفس القاعة، بل رصدنا قاعات بأكملها ضمن الناجحين، ما يدل على أنها لمرشحين ساقتهم حسن الصدف بين يدي مصحح بالغ الكرم والأريحية، مما يؤشر وبقوة أن جوهر القضية مرتبط بالحظ أكثر من أي شيء آخر متصل بالكفاءة والإبداع وحسن الأداء داخل الفصل الدراسي، هذا مع استحضار فرضية الغش والتحايل، وهذه مهمة موكولة للمصحح المطالب بالتأكد من أصالة المنتوج، للحد من تأثيرها.
ونجد بعض الحالات التي تمنح فيها الأولوية في التقييم لعنصر ثانوي في الاختبار خصصت له نقطة أو نقطتين، نذكر على سبيل الذكر لا الحصر، ما يسمى "جودة الخط ومقروئيته"، ويتم التغاضي عن مجمل المنتوج، فإن كان شرط جودة الخط أساسيا في التدريس لهذه الدرجة، فل تتم إضافة فقرة بتقييم هذا الجانب توخيا لمزيد من المصداقية. وقد يكون التقييم جزئيا متسرعا دون الاطلاع على المجمل ليتبين إن صب في صميم الموضوع من عدمه، خاصة مع تعدد أوراق التحرير وتقدم عملية التصحيح، وقد تتم مكافئة الأجوبة التي ترد في صيغة تخطيط (جذاذة)، ويبخس حق التي ترد في صيغة عرائض، رغم ورود عناصر الإجابة والسؤال على ذات المنوال وخلو منطوقهما من أية عبارة تدل على ضرورة إنجاز تخطيط.
وسبق لإطار تربوي أن علق مشاركته ضمن لجن التصحيح إثر تصرفات بعض أعضائها التي نعتها "بغير المسؤولة" حيال أوراق التحرير التي لا تنال حظها الكامل في التقييم، إذ يظل الحصول على التعويض المادي والانتهاء من العملية بأسرع ما يمكن هو معيار البلاء الحسن، على حد تعبيره. ونشير إلى أن إشراك أساتذة المراكز الجهوية في لجن التصحيح، إجراء غير حكيم، مادام أن التقييم الشامل يتطلب استحضار الممارسة الصفية إلى جانب المعارف النظرية، وهذه جزئية جوهرية تغيب عن مدارك هذه الفئة، لذلك فالإطار التربوي الذي يزاوج بين المعرفة النظرية والممارسة الميدانية بالمدرسة العمومية، هو المؤهل للتقدير الأمثل للمنتوج النهائي.
ختاما، نؤكد على أن عدم الإعلان عن نقطة الامتحان المهني وباقي مكوناتها، وفر حماية للعابثين بالأوضاع الاجتماعية للموظفين وأسرهم، وساهم في تنامي مجموعة من الظواهر السلبية وكرس الإحباط من منهجية الامتحان وصيغته لعدم ترسيخ مبدأي الشفافية والحكامة في جميع مراحله، حيث أصبح معيار النجاح مقرونا بالحظ وبعيدا كل البعد عن الكفاءة والاستحقاق، الشيء الذي يربك العاملين بالميدان ويخلق نوعا من الشك وفقدان الثقة والارتياح تجاه العملية برمتها.
* أستاذ








tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: