** تعليم المراهق، صعوبات و حلول**
من الأكيد أن الصعوبات التي تعتري عملية التعليم في المستويين الإعدادي و الثانوي تبقى عديدة و كثيرة و قد تفوق تلك المعهودة خلال مرحلة التعليم الإبتدائي، لأن المتمدرس هنا من طينة خاصة، إنها فئة المراهقين و المراهقات ممن تعرف أجسادهم تغيرات فيزيولجية هامة يكون لها تأثير كبير على الجانب النفسي لدى هاته الفئة( مزاجية حادة معروفة بسرعة التقلب، صعوبة الإقتناع بالرأي الآخر، التعصب للأفكار و وجهات النظر،الميل للعنف،...) و هي أمور عديدة تجعل عملية تلقينهم داخل المؤسسات التعليمية غاية في الصعوبة و تنجم عنها أخطار جسيمة حين تنتهي في اغلب الأحيان بعمليات عنف و عنف مضاد يكون ضحيته تارة الأستاذ أو التلميذ و تارة هما معا.
و من أجل تجنب الوقوع في هكذا أمور تمس سلامة طرفي المعادلة التربوية و تكفل تلقينا سليما و ناجحا، توجب فهم مواطن الخلل التي تنزاح بعملية التعليم إلى هذا المنعرج الخطير، و يمكن حصرها في ثلاث ضوابط رئيسية:
1-الإلمام الجيد بطبيعة التغيرات الفيزيولوجية و النفسية لدى المراهق: و يتجلى الأمر في معرفة عميقة و شاملة بخبايا و مكونات شخصيته، التي تعرف نقلة مهمة تجعل الأخير يتجاوز مرحلة الطفولة إلى مرحلة يصبح فيها الإهتمام بالمظهر الخارجي طاغيا لدى المراهقين مما يولد لديهم شعورا بأهمية أجسادهم و يخلف هذا الإنطباع إحساسا بالتفرد، يجعلهم مقتنعين بشكل قاطع أنهم أدركوا تماما مرحلة النضج و تجاوزا فترة اتباع نصائح الآخرين و إرشاداتهم( الأبوين،المدرسون،...)، و هو فهم خاطىء يصبح بمثابة مسلمة لا مجال للنقاش فيها، لدى أغلب فئات المراهقين و المراهقات، الأمر الذي يولد مجموعة من المشاكل خلال عملية تلقينهم داخل المؤسسات التربوية، إذ يصبح من الصعب على الموصل أو الملقن ربط قنوات تواصل مع مجموعة من التمدرسين المراهقين ذكورا و إناثا بالنظر لحضور العوامل السالفة الذكر بقوة كعناصر مشوشة تتطلب حكمة و حنكة فائقتين في احتوائها، فالواسائل الكفيلة هنا بالتعامل الجيد مع هاته الفئة تكون مبنية على دراية تامة بمكونات شخصية المراهق بشقيها النفسي و الفيزيولوجي، من أجل بناء قنوات تواصل و توصيل صلبة قادرة على الصمود في وجه التقلبات التي تصدر بشكل شبه دوري عن المتلقي أو المتمدرس، إذ الإلمام الجيد بطبيعة المرحلة العمرية الحساسة التي يمر منها المراهقون، يجعل طرق التعامل معهم متميزة بالحمكة و المعرفة المسبقة القادرة على إيجاد حلول كفيلة بالحفاظ على قنوات التواصل و التوصيل، و الإبتعاد عن تدبير أمور الفصل الدراسي بعقلية سلطوية تقوض أركان العملية التعليمية خصوصا مع فئات سريعة الإثارة و التهيج أمام جل أشكال التقييد و التسلط.
2-عنصر الثقة عامل مهم في بناء قنوات تواصل سليم بين طرفي عملية التلقين: إذ الأستاذ مطالب هنا بالسعي الحثيث وراء بناء قنوات تواصل مبنية على عنصر مهم كفيل بإنجاحها، و هو عامل الثقة الذي يضمن تواصلا سلسا بين الأستاذ و المتلقن المراهق، إذ في غياب عنصر الثقة يسود نوع من الضبابية و التوجس بين الأستاذ و التلميذ، خصوصا من طرف المراهقين هذه الضبابية تزكيها طبيعة التغيرات النفسية التي تصاحب فترة مراهقتهم، فكان من الحري بالملقن أن يضع في حسبانه و منذ أول يوم دراسي له رفقة تلامذته مسألة كسب ثقتهم، من خلال التواصل الجيد المبني على تبادل أطراف الحديث الودي و ربط علاقات صداقة مع تلامذته، بعيدا كل البعد عن تلك النزعة السلطوية التي تسعى إلى تدبير الفصل الدراسي بنوع من الشدة المفهومة من قبل المدرسين على أنها عملية حزم وضبط للفصل أمام كل التجاوزات، إن اللقاء الأول بين الأستاذ و المتمدرس بشكل مبني على الثقة المتبادة كفيل بإخراج النظرة الإعتيادية للآخر عن الإعتقاد بكون هذا الآخر عنصر غريب و طرف إيداء توجب اتخاذ تدابير وإن كانت شاذة و مخالفة للأعراف، من أجل اتقاء شره و كف ضرره، فعنصر الثقة كفيل بتذويب الجليد بين الطرفين و إزالة جل أشكال التوثر بينهما، و مساعد على تسهيل عملية التمرير و التوصيل، من طرف الأستاذ إلى المتمدرس، و بذلك يسهل على الأستاذ توظيف تقنيات التوصيل و التلقين التي تلقاها داخل مراكز التكوين أو ما اكتسبه خلال مرحلة التدريب، و تكون بذلك عملية التلقين لدى فئة المراهقين معقلنة، سهلة و ناجحة.
2-الإصغاء، الإصلاح و التوجيه: إن الملقن أو.الأستاذ يعتبر طرفا مهما في المعادلة التربوية، و إنه من الضروري أن يكون ملما بالشق التربوي النفسي خلال مزاولته لمهمة التدريس لأنه من الأكيد أن تمر بين يديه حالات من الصعب تطويعها و جعلها قادرة على التأقلم مع العملية التعليمية، و راغبة في التعلم و التمدرس بشكل جدي و منصاعة للإنضباط، دون أن يكون الأستاذ ملما بتفاصيل و قواعد الجانب النفسي في عملية التعليم و التربية، إن دور الملقن ليس محصورا في التعليم و التلقين بقدر ما يكون له دور كخبير نفسي، إجتماعي و موجه، من خلال فهم الطبيعة النفسية للعناصر المتمدرسة داخل فصله، عن طريق الملاحظة و المراقبة الدورية لكل عنصر على حدى، في حركاته و سكناته و أشكال تفاعله دخل الفصل من عدمه، مثيرات غضبه، ميولاته،...، و تدوين جل الملاحظات مع تخصيص فترات إصغاء بشكل انفرادي لكل تلميذ أو تلميذة من أجل معرفة عن قرب ببعض المشاكل الخفية التي قد تكون سببا في سوء تفاعل الأخير داخل فصله، أو قيامه بسلوك مخالف لأصول الإنضباط و المواظبة، و أكيد أن هاته العملية لا تكون ناجحة إلا من خلال نجاح مسبق في بناء قنوات التواصل بين الملقن و المتمدرس على الثقة المتبادلة بين الطرفين مما يسمح للمتمدرسين و المتمدرسات من الفئات المراهقة، بأن قادرة على البوح و الكشف -بكل أريحية- عن أمور تبقى خفية و لها آثارها الكبيرة في التصرفات الغير مفهومة من طرفهم داخل أو خارج المؤسسات التعليمية، و بعد عملية الإصغاء تأتي عملية التوجيه التي تعمل على تغيير المفاهيم الخاطئة لدى المتمدرس المراهق، من خلال الإقناع المعتمد على اللين و السلاسة في توصيل مفاهيم جديدة كفيلة بتقويم الإعوجاجات التي تعرفها شخصياتهم و تحول دون تأقلمهم مع عملية التعليم و التلقين.
و لا يجب إغفال التركيز على الشق الإجتماعي خلال عملية الإصغاء و التوجيه، لأنه من الأكيد أن الظروف الإجتماعية لها تأثيرها في قدرة المتمدرس المراهق على التأقلم بشكل جيد مع العملية التعليمية، من خلال أشكال جمة من الإختلالات الإجتماعية و الأسرية المتسببة في ذلك، فكان حريا التركيز على التنسيق و ربط اتصال بشكل دوري مع أسر الفئات المتمدرسة من المراهقين و المراهقات، من أجل معرفة و اضطلاع عن قرب على طبيعة ظروف عيشهم داخل محيطهم الأسري لفهم المشاكل التي تكون خفية و مساهمة في صعوبة اندماجهم داخل مؤسساتهم التربوية، و و ضع حلول جذرية - من خلال التنسيق بين الطرفين - لتجاوز هذه الصعوبات الأمر الذي يكفل إنجاح عملية التلقين بعيدا عن العقلية السلطوية الفاشلة و المعروفة النتائج، و تجاوز الإجراءات الجزرية و حتى المعدلة منها و التي تتبث في كل مرة عجزها و فشلها.
إذا فعملية التعليم خصوصا بالنسبة لفئة المراهقين تتطلب حنكة و حلما ، و إلماما جيدا بطبيعة التكوين الفزيولوجي و تأثيره في بناء شخصية المراهق المعروفة بحساسيتها، من خلال التعامل الرصين معها أثناء الممارسة التلقينية، الأمر الذي يجعل مهمة التدريس ناجحة بكل المقاييس. 

عبدوربه الكسيري الكوشي  







tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: