الاسرة و المدرسة وجهين لعملة واحدة**


إن العلاقة بين فضاء الأسرة والمدرسة علاقة تكاملية وترابطية، حيث يعمل كل فضاء على تتميم دور الآخر و إنجاح مهمته في تكوين جيد للطفل(أخلاقيا، إجتماعيا، فكريا وحتى عاطفيا) فالدور الذي يلعبه فضاء الأسرة كأول محيط تبدأ فيه حياة الطفل ويترعرع،يكون المنهل الأول لتكوين شخصيته،وصقل معارفه، وسلامة هذا المحيط و تماسكه بعيدا عن جل أشكال التفكك  و اللاإستقرار(المادي والعاطفي و...)يجعل عملية الإندماج والتأقلم مع الفضاء الثاني في التربية والتكوين (المدرسة)، ناجحا بكل المقاييس.
لكن في حالات انعدام توازن الفضاء الأول وتفككه، تعرف عملية التواصل والتفاعل مع الفضاء الثاني صعوبة بالغة، حتى تكاد تبلغ في حالات عدة درجة الإستحالة، ولعل هذا الأمر يعتبر عاملا رئيسيا في تفشي ظاهرة الهدر المدرسي والإنقطاع عن الدراسة حيث تعمل مجموعة من المسببات دورا كبيرا في عدم قدرة الكثيرين على مواصلة مشوارهم الدراسي، ويكون دور هذه المسبباب إما مباشرا أو غير مباشر.
-المساهمة المباشرة : حيث يكون المؤشر الإقتصادي عاملا رئيسيا يتدخل بشكل مباشر في عرقلة المسار الدراسي للأطفال الذين ينتمون لأسر ذات دخل ضعيف، وتعاني الهشاشة لأن الجهد الأكبر للوالدين يكون موجها حينها نحو توفير مستلزمات العيش الضرورية، وتصبح مسألة تعليم الأبناء أمرا ثانويا يدخل في إطار الكماليات حسب منظورهم، وتصبح مصارف التمدرس عبئا إضافيا يثقل كاهلهم ماديا والمتميز بالضعف أصلا، كما تصبح الحاجة في توجيه الأبناء نحو الشغل من أجل المساعدة المالية ضرورة وأولوية قبل التمدرس.إذا فالاإسقرار المادي للأسرة يعد عاملا مساهما بشكل مباشر في إنقطاع عن الدراسة.
-المساهمة الغير مباشرة:
وفي إطار الحديث عن تأثير المحيط الأسري في عملية التمدرس، فإن أشكال الخلل العاطفي وتفكك الروابط الأسرية تساهم بشكل غير مباشر في عرقلة المسار الدراسي للمجموعة من التلاميذ كالطلاق خصوصا الذي يحدث في السنوات الأولى من عمر الطفل حيث يكون تأثيره أكبر في التكوين العاطفي والفكري لدى الأخير، أما عاطفيا فهناك حالات أطفال يتعلقون عاطفيا بشكل كبير بأحد الوالدين وفي حالة غياب الأب أو الأم نتيجة (طلاق، وفاة) يكون التأثير واضحا على التكوين النفسي والفكري للطفل، وينعكس الأمر على قدرته التفاعلية داخل محيطه الثاني (المدرسة) مما يحد من قدرته على التلقي والتحصيل.
وحتى المستوى الثقافي للوالدين في جودته يخلق جوا ثقافيا متميزا، يعود بالأثر الإيجابي على الطفل خصوصا وأن أهم مراحل حياته والتي تساهم في تكوين قسط مهم من شخصيته وصقل معارفه تتم داخل فضاء الأسرة، وبذلك كان من المنطقي أن يتشرب هذا الأخير من فضاء مشبع بالعلم وتتعدد به مناهل المعرفة خصوصا في حالة والدين متعلمين ومثقفين يخلقان جوا أسريا غني فكريا ومعرفيا، بعكس الأسر التي يعرف الأبوين داخلها ضعفا فكريا، اﻷمر الذي يخلق عوزا معرفيا لدى الطفل ويحول دون تطوير فكره و إبراز كفاءاته.
 و كما هو معلوم فالطفل في سنوات عمره الأولى يكون كثير الحركة والنشاط وتزداد قابيليته في طرح الأسئلة وينتابه الفضول لمعرفة كل شيء وهنا تحضر أهمية الفضاء الأسري المتوازن فكريا ومعرفيا، حيث يكون قادرا على إشباع فضوله والإجابة عن جل تساؤلاته الأولية بشكل راق فكريا يدرك جيدا أن هذه الإجابات ستترسخ في مفكرة الطفل وتصبح بمثابة مسلمات يبني على ضوئها معارفه وتصوراته مستقبلا، لذلك فإن ضعف المستوى الفكري ومحدوديته لدى مجموعة من الآباء يساهم بشكل خطير في تغليط المفاهيم لدى أطفالهم وتزويدهم بمعلومات مغلوطة تساهم في محدودية رصيدهم المعرفي المكتسب داخل الأسرة بالنظر للإجابات الخاطئة التي تلقوها عن تساؤلاتهم الأولية، والتي وإن تبدو بسيطة إلا أنها جد مهمة في تطوير الرصيد المعرفي للطفل.
إذا وأمام أشكال الخلل التي قد يعرفها الطفل داخل محيطه الأسري، يأتي الدور التكميلي والتقويمي لفضاء المدرسة من أجل تصحيح المفاهيم المغلوطة لديه، وتقويم أشكال الخلل العاطفي والفكري وحتى الإجتماعي لدى الطفل.
فالمدرسة ليست مجرد فضاء للتعلم فحسب، بل هي الأسرة الرديفة للطفل، حيث يستلزم أداؤها الناجح تماسك العلاقات والروابط بين أفرادها(أساتذة، إدرايين وتلاميذ)، إذ أهمية حضور الجانب العاطفي قبل التعليمي داخل هذا الفضاء يساعد على تدارك أشكال الخلل التي أحدثها اللاتوازن الأسري، وتوفير أجواء تساعد على إعادة التوازن الإجتماعي والعاطفي لدى الطفل مما يجعله يتجاوز المعيقات التي تثبط قدرته على التعلم و التحصيل، فدور المدرسة إذا قبل التعليم تصحيح الإختلالات التي عرفها الطفل داخل محيطه الأسري، و مساعدته على تجاوز آثار هذه الإختلالات. إن علاقة فضاء المدرسة بالمحيط الأسري علاقة تكامل وترابط وهو الأمر الذي يستوجب تقوية علاقات التواصل بين الفضائين وفق آليات جدبدة تكفل تحقيق تنسيق جيد بين الفضائين من أجل فهم الإختلالات المعرقلة لقدرات الطفل في التفاعل الإجابي مع فضاء المدرسة وتحول دون تحصيله المعرفي، وذلك من خلال مراقبة دقيقة لحياة الطفل داخل الفضائين، لإدراك و الإضطلاع على المشاكل التي قد تعيق قدرته على التحصيل وتقبله لعملية التقويم التي تسعى المدرسة لتحققها من أجل محو آثار الخلل الأسري وهو العمل الذي لاتتحقق نتائجه في ظل آليات التواصل الراهنة بين الفضائين والتي أضحت متجاوزة وغير عملية.

**عبدو الكسيري الكوشي







tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: