تساؤلات حول توجه وزارة التعليم العالي نحو حذف مباريات الولوج للمدارس العليا

في إحدى جلسات مجلس النواب خلال شهر يوليوز2015، اعتبرت السيدة جميلة المصلي، الوزيرة المنتدبة لدى وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر، أن معضلة الولوج للمدارس العليا ذات الاستقبال المحدود، تحظى باهتمام الطلبة والأسر والحكومة، مضيفة بأن الوزارة اعتمدت مجموعة من المعايير، لكي يتم إلغاء الولوج، والاكتفاء بالنقطة المحصل عليها في البكالوريا والامتحانات الجهوية، وذلك ابتداء من السنة المقبلة. وأضافت المصلي، أن السبب الرئيسي للتفكير في إلغاء المباريات التي يتم اعتمادها للولوج لهذه المؤسسات، "يكمن في كونها تشكل عبئا ثقيلا على الأسر وعلى الوزارة".
إن هذا التوجه/الإجراء قد يبدو لأول وهلة عاديا ومربحا بالنسبة للدولة من حيث نقص تكلفة تنظيم المباريات وبالنسبة للأسر من حيث إعفائها من تكاليف تنقل أبنائها وإعدادهم لاجتياز المباريات؛ لكن التأمل فيه وفي دواعيه وآثاره يدعو إلى طرح مجموعة من التساؤلات لا أدري هل استحضرتها الوزارة في معالجة هذه القضية أم لا؟
والأمر يستدعي بداية طرح تساؤل مركزي حول أسباب إقرار هذه المباريات أصلا، هل يمكن اختزالها في مجرد إجراء تقني أملاه العدد المحدود للمقاعد التي توفرها مؤسسات التعليم العالي المعنية، أم أن له أبعاد أخرى أكبر من ذلك؟
إن الأمر يتعلق، في تقديري، بمسألة مفصلية في المشروع الشخصي للتلميذ، وبالتالي فإن له أبعاد ترتبط بالتوجيه والتقويم التربويين، ذلك أن هذه المباريات تستهدف تقييم كفايات محددة لدى الطالب لاختبار مدى  الملاءمة بين مؤهلاته المعرفية والشخصية مع خصوصيات ومتطلبات التكوينات المستهدفة، وهو ما لا يمكن تحقيقه أبدا من خلال الانتقاء المبني على نقط امتحان البكالوريا؛ والدليل على ذلك هو أن ترتيب نتائج المباريات يكون مختلفا إلى حد ما مع ترتيب نتائج البكالوريا، فنجد طلبة يتميزون أكثر من غيرهم في مباريات خاصة بمجالات معينة، مقابل إخفاق البعض الآخر رغم حصولهم على نقط أعلى في امتحانات البكالوريا.
إن الاقتصار على هذا الانتقاء قد يصلح بالنسبة للتكوينات الوسيطة التي تعتبر تكوينا قاعديا أو عاما يؤهل الطالب للتخصص في ما بعد، من مثل الأقسام التحضيرية للمدارس العليا، أما التكوينات في مجالات تخصصية محددة كالطب أو التجارة والتسيير أو الفلاحة أو التعليم أو المجال العسكري.....، فتتطلب نظاما أكثر نجاعة في الولوج.
أما مسألة التكلفة التي ركزت عليها السيدة الوزيرة، فلا يستقيم النظر إليها بشكل مباشر وسطحي، وإنما ينبغي أن يدخل في حسابها كذلك التكلفة التي يدفعها المجتمع والدولة جراء فشل عدد معين من الطلبة في الاندماج السوسيواقتصادي بسبب عدم انسجام مؤهلاتهم مع متطلبات التكوينات التي أقدموا عليها أو مع حاجيات سوق الشغل؛.... وإلا فإذا طبقنا نفس التحليل على معضلة " تجارة المخدرات " مثلا، فإنه لا يمكن إنكار مساهمتها بأرباح مهمة في الاقتصاد الوطني، لكن المجتمع يؤدي أضعاف تلك الأرباح في معضلات اجتماعية سببها الرئيسي المخدرات، فيكون المجتمع خاسرا في التكلفة الإجمالية لهذه المعضلة.
إن المسألة في نظري، تتطلب دراسة متأنية لمتطلبات التكوينات المستهدفة ومدى نجاعة اعتماد الانتقاء المباشر بناء على نقط امتحانات البكالوريا في الاستجابة لتلك المتطلبات، وتأجيل هذا الإجراء الذي يبدو متسرعا وقد تكون له عواقب على مستوى المشاريع الشخصية للطلبة ومدى قدرتهم على الاندماج السوسيومهني.
هذا السياق يجرنا إلى الحديث عن موضوع شبيه، وهو "مباريات المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين" والتي تعتمد نظاما للولوج يتضمن ثلاث مراحل: انتقاء مبني على نتائج الإجازة، ثم مباريات كتابية، ثم مقابلات شفوية.
وسأتطرق لمسألتين أساسيتين في هذا الموضوع:
المسألة الأولى: هي مدى تحقيق هذه النظام في الولوج لمبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص بين المترشحين، والأمر يتعلق هنا بالمرحلة الأولى، فالانتقاء المعتمد يطرح تساؤلا عريضا حول مدى احترامه لهذا المبدأ، حيث أنه يعتمد على نتائج سنوات الإجازة، وهي نتائج لامتحانات غير موحدة وإنما يتم إجراؤها على صعيد كل كلية على حدة، أي أن معايير التقويم ومنهجيته تختلف حسب الكلية بل حتى حسب الأستاذ واضع الامتحان، وبالتالي كيف يمكن اعتماد هذه النتائج لإجراء انتقاء موحد لولوج هذه المراكز؟
المسألة الثانية: هي مدى استحضار خصوصية وخطورة مهنة التدريس في هذا النظام، فلا أظن أنني أبالغ  عند وصف مهنة التدريس بأنها أكثر تعقيدا من الكثير من المهن الأخرى، تلك المهنة التي أحيطت تاريخيا بنوع من القداسة لاسيما في حضارتنا الإسلامية وثقافتنا المغربية، ذلك أن محورها الإنسان وتربيته وتنمية معارفه وكفاياته وغايتها إصلاح الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، فالمدرس يعتبر صانعا لأجيال المستقبل وبالتالي فولوجه لهذه المهنة لا ينبغي أن يكون ولوجا بالصدفة أو ولوجا مبنيا على اعتبارها موردا للرزق فقط؛ وهو ما نصادفه للأسف في واقع تعليمنا، مما يستدعي التساؤل عن غياب روائز سيكوتقنية في المرحلة الثانية أوالثالثة لهذا النظام، تلك الروائز العلمية التي تساهم في استكشاف الصفات الشخصية للمترشحين ومدى ميولهم لمهنة التدريس، على أساس اعتماد نتائجها في صيغة تركيبية إلى جانب نتائج المباريات الكتابية والمقابلات الشفوية.
لاشك أن هذه القضايا التي حاولت ملامستها من زوايا التوجيه والتقويم التربويين ترتبط بها العديد من الإشكالات في منظومة التربية والتكوين بجميع أسلاكها، وتتطلب تحليلا أعمق من مختلف الزوايا التربوية والاجتماعية والاقتصادية، لتشكيل رؤية أكثر وضوحا تمكن من الوزارة من اتخاذ تدابير وإجراءات معقلنة وناجعة في هذا الشأن.
محمد الدريسي
مهتم بقضايا التربية والتكوين








tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: