الهوية المغربية في التاريخ المدرسي: المكون الأمازيغي 

أشلواو عبد الكريم 

عرف المغرب المستقل  في تاريخه عدة إصلاحات في سياسته التعليمية امتدت على مدار  أربعة عقود. لعل من ابرز هذه الإصلاحات نجد المشروع الذي أعدته اللجنة الملكية مع بداية الألفية الثالثة ويتعلق الأمر بالميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي يهدف إلى جعل التعليم مندمجا ومنفتحا على المحيط دون إغفال الخصوصيات الثقافية و الحضارية لبلدنا. وهذا من شانه أن يخلق مواطنا صالحا، قادرا على اكتساب المعارف والمهارات والقيم و في نفس الوقت مشبع بهويته المغربية التي تجعله فخورا بانتمائه (الخطاب الملكي1999). وبمقتضى هذا الإصلاح عرف منهاج التاريخ تغييرات جوهرية  مست بالأساس المدخل البيداغوجي المعتمد في تدريس المادة، والمضامين المقررة وأساليب التدريس والتقويم، وبرزت وظيفة مادة التاريخ اجتماعيا وتربويا باعتبارها مادة تلعب دورا حاسما في التكوين الفكري و القيمي للمتعلمين.
من هذا المنطلق، وجب التساؤل عن مدى انعكاس التنوع الحضاري للهوية المغربية في محتوى التاريخ المدرسي ؟
الهوية والتاريخ المدرسي
تتأسس فلسفة التربية بالمغرب على اعتبار المدرسة محركا أساسيا للتقدم الاجتماعي، لذلك فإن الإصلاح يخضع نظام التربية والتكوين للحاجات المتجددة للمجتمع. انسجاما مع ذلك فإن لمادة التاريخ رهان مجتمعي أو وظيفة مجتمعية، تهم الجانب الهوياتي للمتعلمين ( الكتاب الأبيض ج.3 ص. 26)، من خلال:
 الحفاظ على الهوية والذاكرة التاريخية؛
 ترسيخ الهوية المغربية الحضارية والوعي بتنوع وتكامل روافدها؛
تكوين إنسان يفهم مجتمعه المحلي والإقليمي والوطني والدولي، ويتموضع فيه حتى يصبح فيه مشاركا و فاعلا؛
ترسيخقيم المواطنة التي تعد مادة التاريخ حاملة لها؛
التعرفعلى تاريخ البلد وعلى مقاومةالأجداد للغزاة لحماية البلد عبر التاريخ، من أجل تعميق شعور المتعلمين بالانتماء لوطنهم وزرع حبه فيهم.

لذلك فإن مادة التاريخ، يمكن أن تكون منطلق  التربية على القيم التي تعنى بالعيش الجماعي للأفراد، وذلك بتربية المتعلمينعلى قيم تبين بأن لهم تاريخا مشتركا وذاكرة مشتركة ومحنا مشتركة، فيتقاسمون  نفس المبادئ  والضوابط للعيش المشترك في المجتمع،وتجاوز كل ما يشكل قيما مضادة كالعنصرية والإقصاء، مع ترسيخ قيمة التسامح واحترام الاختلاف والتعددية.
أولا: المكون الأمازيغي في التاريخ المدرسي
تؤكد المعطيات التي حصلنا عليها من خلال جردنا لمحتوى التاريخ المدرسي في المغرب، بأن التاريخ الوطني يعتبر حضوره قويا جدا، إذ لم يخلو أي مقرر للتاريخ منه، وهو أمر في الحقيقة  طبيعي  مادام أن التاريخ الوطني –كما ذكرنا- يعتبر في الغالب من إحدى الوظائف الرئيسية لزرع وتعميق الانتماء الوطني.
على الرغم من هذا الهامش المهم، فإن التاريخ الوطني لم يسلم من عمليات الانتقاء، فعلى سبيل المثال لا الحصر تم إقصاء/تهميش تاريخ الإمارات المستقلة (نكور، سجلماسة، برغواطة) من تاريخ المغرب الوسيط، أما تاريخ المغرب القديم-الذي سنعود إليه بالتفصيل-فإن حضوره يعتبر  ضعيفا جدا مقارنة مع الفترة المعاصرة والحديثة، ما يجعل الذاكرة الجماعية في الكتب المدرسية ذاكرة انتقائية.
فالتاريخ المغربي القديم حصل من مجموع دروس التاريخ في كل المستويات الدراسية، على قسط لا يتجاوز أربعة دروس من أصل 119 درسا يتلقاها التلميذ المغربي طوال المسار الذي يقطعه من السنة الرابعة ابتدائي ( لكون مادة التاريخ لم تقرر قبل هذا المستوى ) إلى مستوى الثانية بكالوريا في شعبة الآداب والعلوم الإنسانية. وهذه الدروس كالتالي:
"وصول الفينيقيين والقرطاجيين إلى المغرب والآثار التي تركوها": المستوى السادس ابتدائي.
"وصول الرومان، ومقاومة الممالك الأمازيغية والاثار الرومانية بالمغرب": المستوى السادس ابتدائي.
"المغرب القديم: الفينيقيون والقرطاجيون": المستوى الأولى إعدادي.
"المغرب القديم: الممالك الأمازيغيةومقاومة الرومان": المستوى الأولى إعدادي.
إن هذه الدروس تتشابه في العنونة والمضمون،وتدور حول فكرة رئيسية تريد أن تبلغها للمتعلم بكون"أجداده"(الأمازيغ)"تعايشوا وتاجروا مع الوافدين من الشرق، وقاوموا من أتاهم من الغرب (الرومان)"، وفيها يتم الربط بين الوافدين (الفينيقيين، القرطاجيين،الرومان) بتاريخ المغرب، وهذا يتأكد بعد أن يطلع المرء على محتوى هذه الدروس، فالكيفية التي صيغت به  عناوين الدروس تظهر بشكل جلي هذا الربط، ولكون تشكيلة الكتب الجديدة تحمل أهداف التعلم لكل درس، فإن الأهداف التي صيغت لعناوين دروس المغرب القديم تصب في ما قلناه سابقا (الربط مع التركيز على الوفدين).  مما يعني أن المتعلم سيأخذ هذه المعرفة التاريخية وهو يظن أنها فعلا تاريخه وذاكرة مجتمعه، فحين أنها تاريخ الأجانب والوافدين على بلاده. 
إشكالية  الجذور
موضوع الجذور التاريخية لسكان المغرب القديم (الأمازيغ) هو موضوع اختلف فيه مؤلفين قدامى ومحدثين (هندو أوربيين، شرقيون، أفارقة/ محلين،خليط من السكان...)، وتتدخل في بعض الأحيان المرجعيات والإيديولوجيات طرفا في هذا الخلاف.
أما مؤلفي الكتب المدرسية في صيغتها الحالية، فقد تعرضوا لمسألة جذور/أصول السكان في سياق تعريفهم لمصطلح “الأمازيغ“.
كتاب النجاح في الاجتماعيات للسنة السادسة(ص. 24، 32)ذكر فيه: "الأمازيغ كانوا يقطنون المغرب منذ 5000 سنة ق.م"، وفي موضع آخر: "هم من أول من قطن المغرب القديم وذلك منذ 5000 سنة ق. م".
ونفس الشيء تقريبا ذكره النجاح في الاجتماعيات للسنة الثانية من التعليم الثانوي الإعدادي(ص. 8)،  ففي سياق الحديث عن المغرب في الفترة الوسيطية تم تعريف مصطلح "البربر" بأنهم: " أول من سكن شمال إفريقيا، ويسمون أنفسهم الأمازيغ أي الأحرار. ويتكونون بالمغرب من ثلاث مجموعات قبلية كبرى: صنهاجة ومصمودة وزناتة".
أما كتاب فضاء الاجتماعيات (ص. 23)، فقد حسم هذا الأمر، حين ذكر بكل بساطة أن الأمازيغ هم: "السكان الأصليين لإفريقيا الشمالية". 
إن تتبع الأصول الأمازيغية في التاريخ المدرسي يظهر نوعا من الحذر في التعرض لهذا الموضوع، خاصة وأن الكتب المدرسية قد قطعت مع الأصول المشرقية أو الأوربية للأمازيغ التي طبعت الكتب المدرسية لفترة السبعينات، نتيجة  التأثير بالإسطوغرافيا المغربية والفرنسية  خلال فترة الحماية وبعد الاستقلال.
إشكالية المصطلح
استعمل فريق التأليف في كل من الكتابين (فضاء والنجاح في الاجتماعيات) تسمية "الأمازيغ" للدلالة على سكان المغربالقديم، وبذلك تم تحاشي استعمال مصطلح "البربر" المتداولة في المصادر التاريخية، العربية منها بالخصوص- ربما لما لهذا المصطلح من حساسية عند البعض -  ولم يذكر هذا المصطلح (البربر) إلا في النصوص المصدرية التي وضعت في دروس المغرب في العصر الوسيط.






tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

1 التعليقات:

  1. المرجوا بين الكلمات من مثل: ترسيخقيم

    ردحذف