لبنات التنمية


مما لا شك فيه أن جل دول المعمور تضع نصب اعينها مسألة التنمية بإعتبارها السبيل الوحيد من أجل الرقي إلى مصاف الكبار، و كسب مكانة وازنة داخل المنتظم الدولي و تحقيق الإشعاع الإقتصادي، السياسي و الإجتماعي.
 لكن  مسعى هذه الدول من أجل الإنخراط في مسلسل تنموي يتطلب رزنامة زمنية مسطرة مسبقا و خطوات مؤطرة بشكل علمي دقيق و مدروس يستمد مرجعيته الاساسية من التجارب السابقة  و النظريات المعترف بها في الميدان، فهناك مجموعة من الدول استطاعت في زمن قياسي أن تلتحق بركب التقدم و تنافس الأوائل إقتصاديا و حتى سياسيا مما جعل العالم حاليا يدخل مرحلة الأقطاب المتعددة بعد انقضاء عهدي القطبين إبان مراحل الحرب الباردة، و نظام القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة كقطب إقتصاد، سياسي و عسكري استاثرت بقرارات دولية مصيرية.
لكن بالمقابل لا زالت مجموعة من الأمم او ما يعرف  بدول العالم الثالث، و على الرغم من جهودها في مواكبة التقدم و الإنخراط في تنمية حقيقية قادرة على تحقيق نقلة نوعية لهذه الدول من وضعياتها الراهنة لتدرك المستوى الذي يجعل منها أمما معترفا بها ليس سياسيا أوكونها  مجرد كيانات تتموضع على خريطة العالم، بل كقوى إقتصادية، منظمة حضريا، إداريا، راقية فكريا ومتطورة ديمقراطيا.
و بالحديث عن التطور الديمقراطي، فالدمقراطية بقدر ما هي صفة سياسية تتميز فيها الدولة، بالإبتعاد عن النزعة الديكتاتورية المنفردة و المستأثرة بجل القرارات و تجمع كل الصلاحيات، قوانينها لا تقبل أي نقاش و مراسيمها ذات صفة مقدسة و مسلم بها، فهي دولة تشرك الفاعلين المحليين في تدبير الشأن السياسي و معه الإداري و الإقتصادي للبلاد. في اطار حكامة حقيقية تتحول من مركزية الدولة نحو اللامركزية السلسة والتي تساعد مختلف الجهات و التقسيمات الترابية للبلاد في تسيير نفسها بنفسها و بالتالي تسهيل المساطر الادارية و التمرير السلس للقرارات و الاجراءات. اذ المعلوم ان المركزية اصبحت تشكل عبئا يثقل كاهل الدولة مما يجعلها تتحمل اعباء تسيير مختلف جهاتها الترابية اداريا، و اقتصاديا، كما يساهم ذلك في استمرار البيروقراطية ما دامت اغلب القرارات تصدر عن السلطة المركزية. 
فالظرفية حتمت الانتقال من المركزية نحو اللاتمركز للدولة ما يعني توفر حكامة قادرة على  ضمان ارضية صلبة من اجل اعداد مجالات حضرية قوية و ذات اشعاع اقتصادي، اجتماعي و تنظيم اداري قادر على التسيير المحلي بكفاءة مما يسهل عملية التلاحم و التجانس بين جل المجالات الحضرية في ما بينها و بالتالي خلق نسيج حضري ذوي اشعاع محلي و دولي و تلك اهم لبنات تنمية حقيقية.
و الديمقراطية لا تقتصر  على هذه الأمور فقط، بل الديمقراطية الحقة هي التكفل بحفظ جل حقوق مواطيني الدولة الديمقراطية  و يمكن التطرق هنا لحقين يساهمين بشكل مباشر في إنجاح مشروع التنمية، و هما حقي الصحة و التعليم.
إذ المقاربة التنموية تتطلب حضور لبنتي الصحة و التعليم كعنصرين رئيسيين من أجل إنجاح مشروع التنمية. فالإهتمام بالقطاع الصحي يعني توفير تغطية صحية لساكنة دولة معينة، ما يعني مواكبة دورية لصحة  مواطنها و بالتالي مجتمع سليم جسديا و عقليا، هذا من جهة، من جهة ثانية الإهتمام بالتعليم، بإعتباره قوة الامم المتقدمة.
فالتعليم يعني صناعة الأجيال المهيئة علميا، المتطورة فكريا، و الراقية أخلاقيا، و حسب الدكتور فرحات وهو دكتور في الكلية  المتعددة التخصصات بمدينة آسفي مسلك الجغرافيا، فقد اكد على أن المقاربة التنموية الناجحة لأية دولة تسعى للإنخراط في مشروع تنموي جاد لا تحقق النجاح مهما توفرت المخططات و مشاريع التهيئة و الراسمال، ما دامت هناك نسب من الأمية تتجاوز 50% لأنه من الإستحالة إنجاح الاوراش التنموية و تحقيقها للأهداف المرجوة داخل مجتمع  اكثر من نصف ساكنته اميون، و الامية هنا لا تنحصر في الاشخاص الذين لا يجيدون القراءة و الكتابة اذ الامية في القرن الواحد و العشرون اضحت تشمل الامية الثقافية و الامية المعلوماتية لان الدول المتقدمة قد و ضعت قطيعة مع جل اشكال الامية السالفة الذكر حتى يكون افرادها قادرون على مواكبة التطور التكنولوجي الهائل، فالدول التي مازالت عاجزة عن احتواء الامية التعليمية فستظل عاجزة عن تحقيق تنمية مستدامة و شاملة.   و هنا ركز على أن الدول التي تسعى للإنخراط الجاد في مسلسل تنموي يحقق النجاح توجب عليها إعطاء الاولوية لتطوير قطاعي الصحة و التعليم في أفق لا يتجاوز 10 سنوات كحد اقصى لمرحلة تطوير القطاعين و القضاء على جل أشكال الخلل الصحي و الأمية، حينها يكون بمقدور هذه الدول الإنخراط الجاد في مشاريع التنموية و إطلاق الأوراش الكبرى، اذ حينها ستكون مستندة على قطاع صحي قادر على مواكبة الحاجيات الصحية لمواطنها و بالتالي مجتمع سليم جسديا و عقليا، و تعليم متطور قادر على صناعة أجيال مكونة علميا و مهيئة أخلاقيا، قادرة على العطاء و الإنصهار بشكل تفاعلي في مشروع التنمية الذي يعرف إستمرارية وتواصل بإعتباره حتمية من أجل اللحاق بركب التقدم.
عبدور الكسيري الكوشي





tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: