منذ إرساء العدة الجديدة للتكوين بالمراكز الجهوية لمهنيي التربية والتكوين سنة 2011 وهي تراوح مكانها وتجتر نفس الخطاب: الارتقاء بتمهين الأطر التربوية عبر تبصر الممارسة وركوب سفينة البحث العلمي فيما يشبه عملية "الحريك" التي تستهدف شواطئ  الشمال ∙ وإسهاما في تحريك المياه الآسنة تحت هذا المركب نلفت أنظار المشرفين على هذا القطاع إلى الثغرات القاتلة لهذا المسار دون الاستغراق في الخطابات الانشائية واللغة الخشبية المألوفة على أن نعود إلى هذه الخطايا بالتحليل والمساءلة في مناسبات لاحقة.
1- تهريب القيادة أول مسمار في نعش المشروع 
هروب أو تهريب ربان المركب إلى وجهات أخرى وتركهم للمركب يغرق ببطء بمن فيه، فالقيادة التي أشرفت على الهندسة وبكل تفان (شهادة للتاريخ) عوض تحفيزها بالارتقاء بالوحدة المركزية لتكوين الأطر إلى مستوى المديرية المركزية وإسنادها لهذه القيادة للسهر على التنزيل السليم  للمشروع تم تهريبها إلى وجهات أخرى واغرائها بمناصب ومسؤوليات جديدة دون توفير ضمانة كافية لفرص نجاح المشروع الجديد خاصة في مرحلته الجنينية.
2- مشروع للتأهيل في غياب تأهيل كاف للموارد البشرية المعنية بتنفيذه
إذا سلمنا أن أي تجديد أو تغيير في أية بنية لا بد أن تجد له  حرسا قديما محافظا يقاومه، فإن انجاح الهندسة الجديدة للتكوين  تتطلب منذ البداية تجنيد كل الفاعلين الميدانيين للانخراط في المشروع لأضعاف بؤر الحنين الى الماضي وذلك عبر إعادة التكوين والتأهيل في دورات محددة في الزمان والمكان وتوسيع النقاش والتفكيك ومساءلة التصور النظري الجديد في علاقته الجدلية بالمعاش اليومي للتكوين، الشيء الذي تم القفز عليه رغم وعي مهندسي العدة بضرورة وأهمية تلك المحطة في الإرساء، هذه الثغرة جعلت مقاومة المشروع أقوى وأكثر عنادا من اغراءات العدة المقترحة.
3- علماء في الواجهة وخبراء في العتمة
تزامن تنزيل العدة الجديدة للمراكز الجهوية م.ت.ت بإسهال كبير في توظيف وإدماج الأساتذة المساعدين بهذه المؤسسة وكأن تشخيصا ما -لا ندري مصدره ولا مضمونه -أفضى إلى وجود نقص معرفي وعلمي لدى الأساتذة المكونين يحول دون مسايرة مضامين العدة،علما انهم واضعوها, ورغم الترحيب الاخلاقي بهذه الكفاءات العلمية الجديدة واحتضانهم مهنيا أملا في أن يشكلوا قيمة مضافة لأطر التكوين والتمهين إلا أنه وبعد ثلاث سنوات من الممارسة الفعلية في الميدان يمكن القول أن هذا الرهان كان غير مدروس بعناية حيث برزت في الميدان بعض المسلكيات العبثية تتجلى في الفئوية المتعالية أبرز مؤشراتها المذكرة الوزارية المنظمة لمجالس المؤسسة التي خاطبت هذه الفئات بإطارها الإداري بينما خاطبت الأطر الأخرى بعبارة "باقي المستخدمين " والنتيجة الميدانية هو انغماس الفئة الأولى (الأساتذة المساعدون)  في ملفات مطلبية  فئوية ضيقة بغض النظر عن مشروعيتها وتعالي علماوي عن الممارسة عند البعض منها(غياب شبه تام عن المصاحبة الميدانية للأساتذة المكونين) في مقابل لباس حلة البحث العلمي البروباغاندي البعيد عن تطوير الممارسة (نموذج الندوة الدولية حول الوظيفة العمومية على ضوء الدستور الجديد برمج فيها أكثر من 60 متدخلا بتازة ) !! 
في الوقت الذي يغيب فيه قسم كبير من هؤلاء المدكترين عن تأطير البحث التدخلي للأساتذة المتدربين والتهرب من الاشتغال في فريق عمل متكامل  ومتماسك ومنتج الشيء الذي يجعل الفئات الجادة تصاب بالاحباط وبالتالي التنازل عن الجمل بما حمل...
4- إدارة شغوفة بالمنصب بدل قيادة المشروع
رغم التنزيل البطيء لمشروع الهندسة الجديدة وحتى إبان مرحلتها التجريبية تقاطرت تطلعات العديد من الشغوفين بالمناصب باستخدام شتى وسائل التوسل والتزلف الزئبقي وحتى لو سلمنا أن المسطرة الانتقائية التزمت بشروط التعيين في مثل هذه المناصب (المناصب العليا) غير أن مصفاة الانتقاء سربت بعض العناصر التي أبانت خلال الثلاث سنوات الماضية من عمر المشروع عن قصر النظر وغياب ثقافة التشارك وكفاءة قيادة الفريق مع ما يستلزمه ذلك من حزم وجدية وقدرة على التخطيط الاستراتيجي لعمل المؤسسة المبني على التدبر بالنتائج وذلك من خلال انخراطهم في مسلسل الولاءات والأحلاف لتصفية الميزانيات وتدبير الصفقات والسندات ضاربين عرض المحيط الأطلسي بالمشاريع التي تقدموا بها للترشح لإدارة المراكز’ فباستثناء الفيلق المشارك في بلورة الهندسة الجديدة والذي انخرط منذ البداية في مبادرات واجتهادات تجديدية في التكوين فقد ظلت باقي المراكز تراوح مكانها منغمسة في مصارعة طواحين الهواء دون نتيجة تذكر’ تجلى ذلك في عدم استعدادهم حتى لفتح مسلك جديد للتكوين رغم توفر مؤسساتهم على الموارد البشرية الكفيلة بذلك تفاديا لازعاج كتيبة الموالين والمنتهزين.
5- رهان خاسر على جامعة غير مواكبة
منذ الجلسات الأولى لمناقشة مرتكزات الهندسة الجديدة للتكوين طرحت مسألة جاهزية الجامعة لمواكبة المشروع من خلال إنجاز الشطر الموكول لها والذي يهم إرساء المسالك الجامعية للتربية والتكوين لإعداد إجازات مهنية متخصصة في المهن التعليمية بحيث تستجيب مخرجات هذه الإجازات لمواصفات ملمح الدخول إلى المراكز الجهوية لمختلف أسلاكه خاصة التمكن من المادة المدرسة وديداكتيكها ومن اساسيات الفعل في علوم التربية .غير أن 3 سنوات من حياة المشروع أبانت عن تخلف الجامعة عن وتيرة الإرساء هذه لأسباب متعددة ومعقدة لم يتم تشخيصها في حينها بالحذر الكافي رغم ان اصواتا عديدة كانت تنادي من داخل ملتقيات البلورة إلى إسناد هذه المهمة للمراكز نفسها، خاصة بعد السيل الهائل من التوظيفات بهذه المراكز للأطر العليا فأكيد أن ثلاث سنوات للتكوين داخل المراكز كفيلة بتخريج أطر بمواصفات مهنية ذات جودة أرقى.
6- اختزال زمن التكوين مقابل تعدد المهام والفضاءات 
في غياب مترشحين تتوفر فيهم مواصفات تستجيب لملمح  الدخول إلى المراكز الجهوية ونظرا لعدم جاهزية الجامعة للقيام بهذا المهمة، فإن زمن التأهيل الذي ينحصر في سنة دراسية مقسطة بشكل كرونولوجي إلى ساعات ولحظات تكوينية وفق منطق التناوب عملي/ نظري/ عملي ’يشكل فيه العملي 60% والنظري 40% الا أن هذا البراديغم يفقد مصداقيته عندما نستحضر المهام والأنشطة  المقترحة لتكوين أستاذ بمواصفات تستجيب لمتطلبات المهنة. 
- متمكن من المادة او المواد المدرسة.
- متمكن من فعل التدريس تخطيطا وتدبيرا وتقويما
- متمكن من الضوابط التشريعية والإخلاقية للمهنة
- متمكن من منهجيات البحث والتقصي في الممارسة في أفق تطويرها...
- محللا ومتبصرا لممارسته وواعيا لتدخلاته التربوية (داخل وخارج المؤسسة)
إن تحقيق هذا المبتغى (أساتذة بهذه المواصفات) خلال ما يناهز30اسبوعا افتراضيا للتكوين يمكن اعتباره نوعا من اليوتوبيا يحاصرها اليأس من كل الجوانب خاصة إذا استحضرنا تعدد وضعيات ومجالات التكوين وطبيعةالعنصر البشري الملتحق بهذه المراكز من حيث المستوى المعرفي، وتنوع مجالات الدراسات الجامعية لها’ والتفاوت في مقدرات التكوين (الحوافز ، الطموحات، الاكراهات...الخ)
7- تخلف الآلة التشريعية المؤطرة للهندسة الجديدة
لا يتسع المجال لتحليل كل الإشكالات المرتبطة بالبعد التنظيمي لهذا المشروع لذلك فالضرورة تقتضي صياغتها في الاستفهامات التالية: 
- هل هناك ما يميز تشريعات مهام الأستاذ المكون عن مهام الأستاذالمدرسي؟
- هل تم تحصين عمل الأستاذ المكون أثناء مصاحبته للأستاذ المتكون في الميدان؟
- ما موقع مؤسسات التكوين الميداني في جغرافيا التكوين؟
- هل هناك قانون أساس ضامن لاستقرار للمراكز؟
- هل تم إرساء المساطر القانونية لاستكمال تعيين الموارد البشرية المسيرة للمراكز؟
- هل تم تدقيق العلاقة (قانونيا) بين المراكز وباقي الفرقاء (الأكاديمية، النيابة، الجامعة،....الخ)؟
- هل تم توحيد مصدر القراروالإشراف الإداريين لهذه المراكز خاصة فيما يتعلق بالتقويم؟.
8- تعطيل آلية التتبع الافتحاصي لعدة التكوين
باستثناء لقاءين تم تنظيمهما بعد انصرام السنة الأولى من تجريب العدة الجديدة، ومع أنهما كانا مفعمين بالملاحظات التقويمية لكل جوانب الهندسة المعتمدة (بعد التدبير الإداري، بعد التكوين النظري، بعد التكوين الميداني،...الخ) إلا أن مرحلة الإرساء النهائي لعدة التكوين غابت عنها بشكل كلي آلية التتبع والمواكبة الافتحاصية لمختلف دروب التنفيذ، مما دفع العديد من الأستاذة المكونين إلى الانتكاص لمنطق المادة عوض الانصهار في فريق المجزوءة، والاشتغال بمنطق الدائرة الفردية المغلقة عوض العمل بمنطق الدائرة الجمعية المتكاملة المهام، وبالتالي الانغماس في ثقافة الدوغمائية القاتلة لكل تطوير، وعلى مستوى التدبير الإداري والمالي للمؤسسة عاد بعض المديرين إلى ثقافة البيروقراطية السلفية عوض ثقافة التشارك والتشاور حيث يتم الالتزام الحرفي بالنظم الإدارية الجافةعبر مجالس شكلية والاهتمام بمظهر الأبهة وثقافة الواجهة  وبالتالي تجييش فيلق المخبرين والانتهازيين في مواجهة الكفاءات المشتغلة في صمت والتي اعتادت على تسمية الاشياء بمسمياتها  مع الالتزام باخلاقيات المهنة والانضباط للقانون وليس للأشخاص، كل هذه المؤشرات المسلكية يتم تأويلها بأن هناك شيء ما يتم إخفائه على لجن التتبع والافتحاص يجب الكشف عنه تفعيلا لمقاربة التدبير بالنتائج المبنية على الحكامة التشاركية والتقويم المستمر ولما لا المحاسبة القانونية.
9- انزياح متزايد عن تحفيز المبادرة والتمييز 
كنتيجة حتمية للثغرات السابقة فقد لوحظ بروز الثقافة البرغماتية -المشروعة وغير المشروعة - لدى العديد من الممارسين في المراكز الجهوية للتكوين خاصة مع تغييب   ميكانيزم التحفيز والاعتراف وتشجيع التميز وفتح باب الاجتهاد والمبادرة الجادة لدى الثلث الناجي من المكونين، ومن مؤشرات ذلك نشير إلى: 
- الحضور (أقول الحضور وليس التواجد) الفعلي للمركز فقط أثناء ساعات العمل المحددة في جدول الحصص.
- عدم التحاق العديد من الأساتذة المكونين للسكن بمدن مقرات العمل وتفضيل التنقل المكوكي ...
- الالتحاق بمؤسسات  جامعية أخرى للعمل في إطار ساعات إضافية...
-غياب شبه تام عن حصص المصاحبة المواكبة للتكوين الميداني دون مساءلة ودون مطلب إن اعتبر ذلك شكلا احتجاجيا...
- ممارسة الضغط النقابي وركوبه لانتزاع مصالح ضيقة وأحيانا شخصية للي ذراع الجهات المسؤولة للسكوت عن المساءلة (لم تحقق النقابة الوصية ولو مطلبا جماعيا واحدا للأساتذة المكونين وظروف اشتغالهم...
ومن ثمة يصبح التواطؤ بالصمت هو سيد الموقف وصراع اللوبيات هو الرهان لتحقيق "التميز" عوض المبادرة والاجتهاد المنتج والمطور لفعل التكوين....
10- ترهل في تتبع العدة وتفريغ ممنهج لمضامينها
إن المتمعن للوثائق والدلائل الموجهة لإرساء العدة الجديدة للتكوين وما لحقها من توجيهات لا يسعه إلا أن يصفق للمشروع وينظر بعين المتفائل لمستقبل التكوين بهذا البلد، غير أن مغادرة العديد من قادة المشروع للمركب وصعود عناصر جديدة وسط الطريق وما تلا ذلك من خشونة في التفعيل ’جعلت هذه العدة تراوح مكانها وهذه بعض مظاهرها: 
- انحباس واضح في انخراط الأستاذ المشرف نظرا لعدم وضوح الرؤية لديه.
- مذكرات متضاربة تتلاحق على المراكز من سنة إلى أخرى.
- ضبابية في صيغ التقويم والإشهاد...
- الحنين إلى أستاذ المادة عوض أستاذ مكون ضمن فريق المجزوءة.
- كثرة  مجالات التكوين خاصة بالابتدائي يجعل الطالب الأستاذ كمن يريد أن يلم بكل شيء فيفقد كل شيء.
- مهام غير منجزة نظرا لغياب أطر تدبير مؤهلة لذلك، (منسق التداريب، الكاتب العام للمركز، المساعدون الإداريون...الخ)
- غياب مخاطب رسمي ومسؤول ينسق عملية تنزيل وتتبع العدة.
وبشكل مركزهذه جملة من الثغرات  كما رصدتها عين الملاحظ الممارس ’لا يتغيى من ورائها غير التطوير والتجديد وإعادة الدينامية المفقودة لهذه المراكز ’ولا تستهدف طرفا ولا فئة ولا شخصا ’بقدر ما تساءل النسق بأكمله عموديا وأفقيا أملا في إعادة الثقة للمؤسسة التعليمية برمتها من خلال تثمين مساهمة الرأسمال البشري المتخرج من هذه المراكزوتصحيح الاحكام الجاهزة عن مسار التأهيل." فما لم يتوضح بالذهن على الأقدام أن تتحمله"
                                           
         محمد غالم
الفرع الإقليمي للمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين تازة





tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: