إن الباحث الدارس للعلوم الإنسانية، يحاول جاهدا فهم طبيعة تلك العلاقات التي تخلق اللحمة الإجتماعية بين أفراد و مكونات تجمع إنساني معين حكمت على تكتله في حيز جغرافي معين مجموعة من العوامل و الظروف التي جاءت متلاحقة و مترابطة تارة بين التناقض و أخرى بين التوافق من أجل ضمان استمراريته، بتراكماته التاريخية، حمولته الفكرية و إشعاعه السياسي و الإقتصادي.
و إن كل دراسة وفهم عميق لتلك التشعبات اللاحصر لها من العناصر المتداخلة فيما بينها، و المكونة للنسيج الإجتماعي(علاقات، عادات، ثقافة،..) لا تحقق مثاليتها إن لم تتأسس على نظريات و أسس علمية دقيقة.
و هنا نخص من خلال الحصر و ليس التعميم مفهوم البعد السيكولوجي كجانب له تأثيره الكبير جدا في بلورة تلك التفاعلات و الظواهر الإجتماعية، إذ طبيعة الشخصية الخاصة بكل فرد على حدة تساهم بشكل كبير في تحديد لمحيط تفاعله الخارجي و يتراوح إشعاع تفاعله هذا بين القوة، الإعتدال و الضعف. بموازاة مع درجة توازن التركيبة السيكولوجية لشخصيته. و هذا التوازن يكون نتاجا لذلك التكوين الإجتماعي المثقل بإرثه الأنثروبولوجي، و الذي يمنحه المقومات الضرورية من أجل بناء شخصية إنسانية متفاوتة التوازن السيكولوجي، إنه الترابط الحلقي المفرغ( يأخد شكل حلقة مفرغة) أحد قطبيها التنشئة الإجتماعية و التكوين السيكولوجي.
إذا و بتتبع الفرد منذ ولادته و إطلاقه لصرخة الحياة الأولى،نجد على أن حياته تعرف حلقات مترابطة فيما بينها تسير بنسقية محكمة، لكن تلك العوامل الخارجية تلعب دورا رئيسيا في سلامة تلك النسقية، فالتربية و أساليبها هي وسائل الإرشاد الأولى و طرق التوجيه للطفل الذي يكون همه وفقا لغريزته النشيطة في فترة وهنه وعجزه الإدراكي، إشباع الجوع و الحصول على الإهتمام ( الحنان)، لكن فور تطور الجانب الإدراكي لديه و نضج وعيه تتزداد مطالبه بإزدياد تساؤلاته وإن كانت بسيطة بداية، و أمام هذا المعطى و التغير الجوهري في طريقة تعاطيه مع محيطه، يبدأ تأثير العوامل الإجتماعية في تكوين شخصيته، إذ عقله المهيأ سلفا في هذه الفترة للتعلم و الإدراك يصطدم بتلك المؤثرات التي تتفاوت درجة تأثيرها بين الإيجاب و السلب، فيتم تخزينها على شكل خبرات في اللاوعي لتبقى دفينة في هذا الجزء من دماغه لتظهر في فترات متلاحقة على شكل ردود فعل متفاوتة قد تصل إلى درجة تصنيفها بالمرضية، و تصبح مؤشرا على كون هذا الفرد يعاني خللا سيكولوجيا خطيرا، هذا من جهة. من جهة ثانية فالإرث الأنثربولوجي المتوارث عبر الأجيال من عادات، تقاليد، ثقافة، أفكار، يلعب دورا حاسما في إتمام تشكيل الشخصية الفردية إلى جانب المؤثرات الإجتماعية الأخرى. و هذا المزيج بين العناصر يجعل الفكر يعيش صراعا خفيا حبيس اللاوعي، هذا الصراع الذي يبقى باطنيا ما دامت هناك عملية موازنة لتفادي إنفجار طارئ بين الأنا، الأنا الأعلى و الهو، ما يضمن استقرارا ظرفيا قد يستمر في أحيان عدة مدى الحياة، لكن بعض من بوادر اللاإسقرار قد تطفو على السطح بين الفينة و الفينة، لتترجم على شكل ردود أفعال غير مفهومة من طرف هذا الفرد.
و نخص هنا بالذكر الطفل كفرد يعتبر محور تمر عبره تلك التفاعلات، قد تفسر مثلا بعض المصاعب التي يواجهها أثناء فترة تمدرسه، و تكون سببا رئيسيا في فشله الدراسي و عدم قدرته على التحصيل المعرفي، مما ينتج عنه حالة الهدر هذا دون التطرق لتلك العوامل الإكراهية الأخرى داخل المؤسسات التعليمية.
و بالعودة إلى نظرية التعلم المعروفة بالجشطلتية أو بتعريف آخر نظرية السلوكيون الجدد من طينة (ماكس فيرتهيمر، وولفجانغ كوهلر، وكيرت كوفكا، وكيرت ليفن) فقد جاءت نظريتهم الجشطلتية- و هي كلمة ذات أصل ألماني أقرب تعريف لها بالإنجليزية =configuration- بمفهوم سيكولوجية المجال المعرفي، و بتعبير آخر سيكولوجية القوى الموجهة أو علم النفس الطوبولوجي. و كلها أسس أكدت على ضرورة توفر المنهج الكامل و القائم على الصحة النفسية و التأكيد على شخصية الفرد المتكاملة إجتماعيا
فدور التنشئة الإجتماعية هو ذلك الإعداد القبلي لمشروع عنصر بشري قادر على الإنصهار داخل المجموعة، انصهارا تفاعليا، إنتاجيا، في توازن سيكولوجي و بحضور رصيد معرفي و تطور فكري غير مقيد بثقل الموروث الأنثربولوجي. ما قد يضمن له مسايرة حقيقية لكل رقي فكري و تطور علمي، غير محكوم بقيود الأنثربولوجيا التي تكون محملة-خصوصا لدى الشعوب النامية- بإرث متجاوز من الأفكار و المعتقدات الأقرب للتصنيف الخرافي و الغير مستندة على مرجعية علمية، غير تناقل لثقافة شفهية موروثة عبر الأجيال، و هذا لا يعني إسقاط الجانب الأخلاقي، القيمي و حتى الإنتمائي مما هو مستمد من الأنثروبولوجيا، لأنها الأمور الوحيدة التي تعتبر آليات يعتمد عليها من أجل خلق تلك التركيبة السيكولوجية المتوازنة للأفراد.
و الهدر هنا قد لا ينحصر في انقطاع هذا الفرد عن مواصلة تعليمه، بل قد يشمل مجالات قد تكون فكرية، إقتصادية، سياسية و حتى تنظيمية. وهذا ما جاء به كتاب "الإنسان المهدور" لكاتبه د. مصطفى حجازي، و هو عبارة عن دراسة تحليلية نفسية و اجتماعية تتناول مختلف أشكال الهدر داخل المجتمعات العربية ( أسبابه، أنواعه، نتائجه).
وعليه فالتنشئة الإجتماعية السليمة كفيلة بتحقيق ذلك التوازن السيكولوجي الذي يضمن للعنصر البشري تفاعله المطلوب داخل مجتمعه ويضمن بذلك تزويد الميادين الحيوية بقطع الغيار المناسبة التي تضمن لها فعاليتها و مسايرتها للمشاريع التنموية وفق منظور علمي صرف و توزان سيكولوجي محكم التهيئة الإجتماعية.

عبدو الكسيري الكوشي.





tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

1 التعليقات: