بقلم الأستاذ محمد الحسن الفاضيلي – آسفي  
22-12-2015

أتت الفرصة أخيرا، أتت الفترة الحساسة التي تنتظرها الحكومة والتي تريد فيها كسر إردة وإيمان الأساتذة المتدربين من خلال اللعب على أعصابهم ودفعهم للتنازل والتراجع عن مطالبهم، فبعد سياسات التجاهل ثم القمع وبعدها لغة الوعيد والتهديد حان الوقت المناسب للغة التعنت و التيئيس عقب أوج التصعيد.  
 للمعركة شقان والرابح فيهما منتصر لا محالة، الشق الاول إعلامي و الآخر نفسي.

الشق الإعلامي من المعركة

إعلاميا، أي من الطرفين سيحشد الدعم أكثر، ومن سيكسب التعاطف والتضامن و التأييد عبر وسائل خلاقة حسب توجه كل طرف، ولعلنا نستحضر في الموضوع  الكذب والتدليس الذي ادعته الحكومة في عدة نقاط أهمها أن الأساتذة المتدربون وقعوا على محاضر الالتحاق بمراكز تكوين الأساتذة، بعد اجتيازهم سلسلة المباريات، بصفتهم طلبة وليس أساتذة متدربين، وهذا ما دحضه الاساتذة أنفسهم بالوثائق والحجج الدامغة، أما النقطة الثانية فهي ادعاء الحكومة بأن هؤلاء المحتجين المضربين غير موضوعيين ومطالبهم أنانية، هنا كانت الفرصة لتسليط الضوء على السياق العام و الدوافع الحقيقة التي جعلت الحكومة تقدم على سن المرسومين بشكل منفرد وفي ظروف معتمة في إطار سياسة إجحافية منتهجة في حق المدرسة العمومية لحساب خوصصة القطاع، فالوقت حسب قول رئس الحكومة عبد اله بن كيران قد حان "لترفع الدولة يدها عن قطاعي التعليم والصحة" وهي استجابات عبثية لتوجيهات البنك الدولى الذي جعل من السياسات العمومية والحيوية في المغرب رهينة بمعادلاته المالية و المادية الصرفةـ و بالتالي فلا علاقة لمرسوم فصل التكوين عن التوظيف و مرسوم خصم النصف من المنحة أو الأجرة الشهرية بالجودة و الكفاءة التي تم تجاوزها بهد اجتياز 10000 أستاذ متدرب مباريات الانتقاء الأولي و الكتابي ثم الشفوي على مراحل، من أصل ما يزيد عن 130000 مترشح مجاز، دون ذكر أن هؤلاء الأساتذة  المتدربين الناجحين يتوفر أغلبهم، بعد الإجازة بنقاط عالية، إما على تجارب حقيقية في ميدان التعليم أو على شهادات الاجازة المهنية في التربية والتعليم أو الماجستير في التخصص المطلوب، وهنا شهد شاهد من أهلها حين قطع وزير التربية و التعليم رشيد بلمختار الشك باليقين وأقر أمام مستشاري القبة البرلمانية و عموم الشعب في الجلسة الشهيرة بأن مراد الحكومة هو بالظبط ترسيب الاساتذة المتدربين، بعد تكوينهم وتخرجهم، عن طريق مباراة إضافية تخضع لنظام الكوطا حسب المناصب المالية المحددة والمحدودة، ما يحتم إقصاء ما يزيد عن 3000 أستاذ متخرج ليرتمو إما في غياهب العطالة أو ليكونو تحت رحمة أباطرة التعليم الخصوصي كسلعة رخيصة رغم جودتها و تكوينها وكهدية ثمينة من الدولة إلى القطاع الخاص على حساب أموال و حقوق الفقراء.


الشق النفسي من المعركة

بالتوازي مع المقاطعة الشاملة للتكوين، خاض الاساتذة المتدربون على امتداد شهرين أشكالا احتجاجية متنوعة و راقية، سواء على أرض الميدان أو من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وقادو احتجاجات تصعيدية محلية و وطنية توجت بمسيرة بيضاء حاشدة الخميس المنصرم 17 دجنبر في الرباط بحضور ما يزين عن 20000 متظاهر، نظمها الاساتذة المتدربون الذين حجو من جميع مراكز التكوين، أقصاها قبل أدناها، وبمشاركة لافتة من ذوي الاساتذة و طلبة الجامعات و المعاهد الجامعية للأساتذة و فعاليات نقابية وحقوقية مختلفة من داخل القطاع و خارجه. كل هاته الفعاليات و الاحتجاجات اتسمت بميزتين مهمتين حالتا دون جنوح المعركة عن هدفها المسطر، الميزة الاولى تتجلى في المستوى العالي من التنسيق و الوحدة بشكل منقطع النظير استطاع فيه الاساتذة المتدربون تنظيم صفوفهم واتخاذ قراراتهم و وتسطير خطواتهم في وقت جد وجيز بإجماع ووحدة وجرأة أثارت اندهاش القريب والبعيد، الميزة الثانية تتمثل في التصعيد في الخطوات الاحتجاجية على مستوى العديد والنوع والعتاد. وفي هاتين الميزتين يكمن بيت القصيد، مفتاح النجاح أو الفشل.
 لجهة الوحدة والاجماع، راهنت الحكومة طويلا على الفرقة في صفوف الاساتذة المتدربين إما جراء عامل أو من خلال مجموعة من الشائعات التي هددت فيها بنزع الامتياز عن خريجي المراكز لحساب حاملي الشواهد في علوم التربية أو إعلان سنة تكوينية ملغاة في حال استمرت المقاطعة، كما عمدت إلى مراسلة الأساتذة المتدربين بواسطة رسائل موحدة الصيغة دعتهم فيها بضرورة العدول عن التغيب والالتحاق بالتكوين في أجل أقصاه 7 دجنبر تحت طائلة اتخاذ الاجراءات الادارية الضرورية، هنا جاء رد المعنيين واضحا باستمرار الاجماع على المقاطعة مؤكدين أنهم حاضرون يوميا داخل المراكز لكنهم مقاطعون ومصرون على حقهم في الاضراب إلى حين إسقاط المرسومين و تحقيق مطالبهم.
أما بخصوص الطابع التصعيدي للاحتجاجات، و هذا هو الأهم حاليا، فبعد المسيرة الحاشدة يوم 17 دجنبر في الرباط، تظن الحكومة أن الاساتذة المقاطعين المضربين قد استنفذوا كل ما لديهم و استنزفوا كامل طاقتهم ووقتهم وبالتالي حان وقت يأسهم وانهيارهم في فترة حساسة يسهل فيها كسر شوكتهم وإحباطهم إما بتجاهلهم أو من خلال إظهارها الاصرار على عدم التراجع عن المرسومين والكل يتذكر أول تصريح في الموضوع للوزير الوصي بالمختار حين قال "دابا يبرد ليهم الراس" لكن الجديد هذه المرة كان بلغة التهديد التي جاءت على لسان رئيس الحكومة في تصريحاته الصحافية المزعومة أو خلال الجلسة البرلمانية للمساءلة الشهرية يوم الثلاثاء 22 دجنبر.

الأساتذة المتدربون إلى انتصار

هنا وجب الثبات على الموقف، فالحكومة تعرف جيدا أن الأساتذة المتدربين أدو القسم جماعة في الرباط على المزيد من الصمود والوحدة، وأنها هي الخاسر الأكبر إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليها أو في حالة اتخاذ أي خطوة ارتجالية غير مسؤولة لا يحمد عقباها،  أما الأساتذة فبدورهم يدركون قوة موقفهم وضعف وارتباك موقف الحكومة رغم ما تظهره من إصرار و عنترية أو ما تصرح به من تهديدات،  ويعون جيدا أن هدفهم واضح و الطريق إليه واحدة لا محيد عنها وهي طريق الصمود متسلحين فيها بالوحدة و النفس الطويل. أما طريقة تجاوب الحكومة التي تعبر عن إصرارها على التشبت بمرسوميها فيربط بكون الفترة التكوينية الضائعة لدى الحكومة لا تشكل الضغط الكبير خصوصا اذا ما قارنا هذا الموسم بالموسم ما قبل الاول حين لم يبدأ التكوين إلا في أوائل شهر يناير.  أما إذا افترضنا جدلا أن الحكومة ستلجأ إلى إعلان سنة ملغاة أو بيضاء، فهي الخاسر الأكبر حين ينضاف خصاص 14000 في أطر التدريس على 10000 ستكون الحكومة في موقف محرج عندما يغيب 24000 أستاذ عن حجرات الدرس أو عندما سيصل الاكتضاد إلى ما يزيد عن 60 أو 70 تلميذ في القسم أنذاك سيكون الموسم الدراسي المقبل بحكم المنهار في قطاع يحتل المكانة الاستراتيجية الثانية بعد قضية الوحدة الترابية، ناهيك عن الخسائر المادية للحكومة فيما يخص تكلفة التكوين جراء استمرار المقاطعة والتي ستكون جد ثقيله فيما إذا أعلنت هذه الأخيرة إلغاء السنة التكوينية و التي ستكون بمثاية خطوة كبيرة إلى الوراء لن تستطيع الدولة تحمل تداعياتها، لذا فالتراجع عن المرسومين عاجلا أو آجلا أهون على الحكومة من أي خطوة أخرى. لكن السؤال الأصعب في حالة عدم إسقاط المرسومين هو كيف ستتخلص الحكومة من 10000 آلاف أستاذ أقسموا متحدين "إما الوزرة البضاء أو الكفن". 







tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: