كما هو معلوم فاللعب يشغل حيزا مهما من حياة أطفالنا، بالنظر لتكوينهم الفيزيولوجي المتميز بالمرونة و النشاط الزائد مع قابلية الإنخراط في شتى أشكال المرح.
فالطفل يسعى لقضاء أكبر قدر من الوقت في اللعب، إنه تصريف لأفكاره، تعبير عن ميولاته و ترجمة لقناعاته المستمدة من فضاءات (الأسرة-المدرسة-المجتمع)، هذه الفضاءات التي تساهم في تكوين شخصية أطفالنا وفق أسس إجتماعية متينة و توازن سيكولوجي مضبوط، الأمر الذي يجعله مستقبلا عنصرا قادرا على الإنصهار التفاعلي داخل مجتمعه.
فطرق  مزوالة اللعب و أهميته عند الطفل هي الترجمة الحقيقية  لمدى توازنه الإجتماعي و السيكولوجي، بمعنى أن اللعب هو مرآة شخصية الطفل و المراقبة الدورية لطرق لعبه و درجة تفاعله و كدى تعاطيه مع شتى أنواع اللعب تساعد على فهم أعمق لطبيعة شخصيته و معرفة مدى سلامة تنشئته الإجتماعية و درجة تأثيرها في توازنه السيكولوجي. و من المعلوم أن أشكال اللعب عند الأطفال عموما هي نوعان:
-لعب جماعي ينخرط فيه طفلين او أكثر، و هذا النوع من اللعب يبرز بوضوح طرق تفاعل كل طفل منخرط في اللعبة مع البقية، فالطفل الأكثر مشاركة لمراحل اللعب مع أصدقائه هو بالضرورة طفل إجتماعي يدرك مفهوم الأداء الجماعي و حق الجميع في المتعة و المرح، و ذلك راجع لسلامة التنشئة الإجتماعية التي تلقاها و قد رسخت في ذهنه مفهوم التشارك و الجماعة.
و من خلال الملاحظة المستمرة لطرق تعامل هؤلاء الأطفال مع البقية داخل اللعبة يظهر أيضا تناسق حركية هؤلاء الأطفال و اهمية ذكائهم و قدرتهم على تحقيق الأفضلية و إنجاح اللعب.
بينما   هناك نوعية من الأطفال ممن يكون إنخراطهم  في اللعب شاذا و غير مفهوم، هذا التعاطي الذي قد يأخذ صفة الأنانية في تحقيق و الإستحواذ على أكبر قدر من المتعة و محاولة التموقع في محور اللعب من خلال إتخاذ قرارات فردية، سرعة الغضب و الميل للعنف، و قد يفسر الأمر على أن هؤلاء الأطفال يعانون خللا في تركيبتهم الإجتماعية ما داموا قد تلقو تنشئة إجتماعية تميزت بالنقص و الخلل( تفكك و عنف أسري، العيش في و سط منحرف أخلاقيا و مشبع بالفكر الإجرامي...) ، فيكون بذلك فضاء اللعب وطرق المزوالة و التفاعل بمثابة تصريف لتلك الأفكار و القناعات المغلوطة المستمدة من محيطي الأسرة و المجتمع و التي أثرت في شخصيتهم و ساهمت في إحداث شرخ عميق في توازنهم السيكولوجي ما دام الشق الإجتماعي مساهم مباشر في مدى سلامة و صحة التركبية السيكولوجية لكل فرد.
و تفاعل الطفل مع فضاء اللعب هو إدراك لطريقة تعطيه مستقبلا مع مجتمعه، و تكمن أهمية اللعب الجماعي في كونه يساهم في إبراز الإسقاط الأولي للجانب الإجتماعي لدى الطفل و الإنخراط التشاركي في مجتمعه مستقبلا، بمعنى أن الطفل قد تتحدد شخصيته الإجتماعية من خلال طريقة تعامله مع أقرانه داخل اللعبة، و هذا التعامل يتراوح بين التمتع و التميز بالصفة التشاركية  و إدراك أهمية كل فرد من أجل إنجاح اللعب و اكتماله. إنه الإدراك الذي يميز  ذوي التنشئة الإجتماعية السليمة و هنا تتحقق المقاربة البديهية لمفهومين يصبان في بعضهما البعض جماعي و إجتماعي ما يؤكد أن الطفل الذي يحبذ التشارك الجماعي هو نتاج بنية إجتماعية سليمة حققت له توازنه السيكولوجي و تسير بشخصيته نحو البناء السليم.
و أي خروج عن هذا العرف المنطقي من خلال الممارسة الأنانية و احتكار فترات التمتع باللعب، الأفكار و القرارات هو تأكيد على وجود أشكال خلل في طبيعة شخصية الأطفال الذين ينخرطون في اللعب الجماعي بهذه الصفة الفردية، و أشكال الخلل هذه تكون ناتجة في أغلب الأحيان عن اختلالات أسرية و المتميزة بالتفكك و طبيعة التنشئة الإجتماعية الغير سليمة.
أما النوع الثاني من أنواع اللعب الفردي، فهو نوع نادر الممارسة إذ يلجأ إليه قليل من الأطفال ذوو التكوين الفيزيولوجي الضعيف الذي يجعلهم يعيشون حالة من خوف الإنخراط  في لعب جماعي قد ينتهي بالعنف الجسدي، فتنعدم لديهم الرغبة في مشاركة البقية أثناء اللعب، و يعوضون ذلك في أغلب الأحيان بتخيل صديق أو أصدقاء وهميين كأطراف تشاركهم العابهم حتى تكون لحظات اللعب أكثر متعة و تحقق نسبة مهمة من المرح، و الأكيد أن المزوالة الفردية للعب عند الطفل إذا تجاوزت الحد المعقول و استمرت طويلا تؤكد أن هناك خللا إجتماعيا رهيبا لدى الطفل المنخرط في اللعب الفردي، و تظهر إعتلالا سيكولوجيا خطيرا لدى الأخير توجب فهم أسبابه و تقييم درجة خطورته، من أجل وضع حلول لتصحيح توازن الطفل الإجتماعي و السيكولوجي.
لذلك يكون من الضروري إعطاء الأهمية الكبرى لفضاءات و فترات لعب الأطفال ما دامت وسيلة مهمة من أجل  فهم  و قراءة أعمق لتكوينه الإجتماعي و السيكولوجي و هما عنصران أساسيا من أجل فهم أعمق لطبيعة شخصيته. إذ تأطير اللعب لدى الطفل خصوصا داخل المؤسسات التربوية بإعتبارها مؤهلة علميا و تتوفر على أطر مزودة بالأدوات البيداغوجية الكفيلة  بتحقيق بقراءة جيدة لشخصية الطفل من خلال طرق لعبه و درجة تفاعله داخل فضاءات هذا اللعب ، كفيل بتشخيص لجل أشكال الخلل الإجتماعي و السيكولوجي لدى كل طفل على حدة، و إيجاد الحلول القادرة على تصحيح أشكال الخلل هذه و الأهم من ذلك محاولة توجيه اللعب توجيها يساعد في  تحسين قدرات الأطفال على   التعلم و الإستيعاب كما تفعل مجموعة من المؤسسات التربوية التي تركز على اللعب عند الطفل و علاقته بالتربية و التعليم في إطار ما يعرف بالتعلم باللعب كتقنية بيداغوجية تتماشى و ميول الطفل نحو اللعب أكثر من أي شيء آخر مما قد يسهل طرق تلقينه و يزيح مجموعة من العقبات التي تعيق تعلمه.

عبدو الكسيري الكوشي





tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: