بسم الله الرحمن الرحيم

التعليم بالمغرب: فوضى السياسة وانفلات المردودية 
  عرض و قراءة في  فصل التعليم في "تقرير المغرب في سنة 2014"






د.مصطفى شكٌري

أصدر المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات تقريره البحثي  الرصدي  في نسخته السادسة  من أجل تشخيص وضعية المغرب في سنة، وينتظم هذا التقرير في  أربعة مباحث كبرى تشكل أقطاب تسعى للإحاطة بواقع البلاد على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية.
تحاول هذه المقالة تتبع قراءة التقرير لواقع التعليم  بالمغرب خلال سنة 2014 علها  تقف معه عند الأعطاب البنيوية التي تعرفها المنظومة التعليمية بالمغرب.
أولا :السياقات الحاكمة:
تؤطر القراءة التشخيصية التي  يعرضها فصل التعليم في  "تقرير المغرب في سنة 2014" ثلاثة سياقات متداخلة:
 1-سياق بحثي علمي تشخيصي تحليلي استراتيجي استشرافي هو الذي يحكم طبيعة التقرير نفسه باعتباره يدخل في «في خانة تقارير الوصف والتتبع والرصد التي تهدف إلى تشخيص حالة المغرب في سنة».
2- سياق سياسي اجتماعي عام تبرز معالمه على الخصوص في استمرار تحكم القصر في مختلف تمفصلات الحياة السياسية، واستمرار المسلسل التصاعدي للمديونية، و استمرار ضرب القدرات الاجتماعية للفئات الشعبية.
3- سياق تعليمي تربوي تظهر تجلياته المتميزة في استمرار الحكم في تدبير ملف التعليم من خلال عودة المجلس الأعلى للتربية والتكوين في نسخته الجديدة إلى الواجهة رغم الإشكالات الكثيرة التي واكبت عملية تنصيبه تشكيلة ووظيفة وممارسة، وفي إصدار سلسلة من القرارات التي وصفت بالمتسرعة والمرتجلة من جل الفاعلين كترسيم مسلك البكالوريا المهنية والبكالوريا الدولية، وكذا في تتابع عدد من الإجراءات التي تمس الحق في  التعليم والتقاعد.
ولعل الجامع بين هذه السياقات كلها استمرار هيمنة التحكم، ومحدودية السياسات المتبعة، وانحدار الوضع الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي على نحو يسم المشهد العام بالاختلالات البنيوية والجوهرية. 
ثانيا :الرؤية التي وجهت قراءة الوضع التعليمي:
يقف تقرير المغرب في سنة  2014 في مقاربته للشأن التعليمي بالمغرب عند مسألة مهمة تظهر في تصدر "المجلس الأعلى للتربية والتكوين" للمشهد التعليمي باعتباره آلية موجهة للسياسة التعليمية، مؤكدا على بقاء الوزارة في دوائر التنفيذ والتدبير، وكانت هذه الوقفة منطلقا وجه رؤية التقرير في قراءته لذلكم المشهد التعليمي، وذلك عبر مقاربة ثلاثية الأبعاد تهم :
- مساءلة السياسة التعليمية بالقطاع بالوقوف عند صناعها الحقيقيين وأدواتهم التنفيذية؛
- رصد الإجراءات  التنفيذية للسياسات التعليمية في مجالات التمدرس والبرامج والمناهج و التوجيه والتعليم العالي والبحث العلمي؛
- رصد الإشكالات البنيوية للمنظومة التربوية.
وقد نظم هذه  الأبعاد  اشتغال  التقرير على  تفكيك الخطاب الرسمي حول مفهومه للإصلاح ولإجراءات التنفيذ التي صاحبت هذا الخطاب الرسمي في مستويات تدبيرية مختلفة.
ثالثا : في منهجية إعداد التقرير وفي مصادره ومراجعه:
اعتمدت المقاربة التحليلية للشأن التعليمي في "تقرير المغرب في سنة 2014" على منهجية تتوسل بآليات علمية تظهر على الخصوص في  :
1- الدراسة المضمونية للوثائق الرسمية باستنطاق  سياقاتها و مضامين خطابها ومنهجية عملها؛
2- التتبع الراصد لأهم مجريات الفعل التربوي في السنة لضبط معالم السياسة التعليمية وإجرائيتها التنزيلية؛ 
3-الرصد التشخيصي للحصيلة المنجزة خلال هذه السنة مدعمة بمعطيات إحصائية رسمية  ودولية قصد ضبط مكامن الخلل ومظاهر القوة ؛
4-استجماع خلاصات عامة حول الانزلاقات الجوهرية للمنظومة في  محاولة لرسم معالم كبرى لمجالات التدخل الملحة.
ولقد تعدد المصادر المعتمدة في تجميع المعطيات ورصد الأحداث وتحليل النتائج وتحديد مجالات الخلل. ويمكن تصنيف هذه المصادر والمراجع إلى ثلاثة عناصر كبرى
1-المراجع والوثائق الرسمية وتشمل :
- مشروع التقرير التقييمي لتطبيق الميثاق 2000-2010 الدورة 2 لأشغال المجلس الأعلى للتعليم  الرباط 8-9 شتنبر 2014.
-  التقرير التركيبي حول المدرسة المغربية وزارة التربية الوطنية شتنبر 2014 .
- موجز إحصائيات التربية 2012-2013 وموجز إحصائيات التربية 2013-2014، وزارة التربية الوطنية، مديرية الاستراتيجية والإحصاء والتخطيط.
- تقرير المجلس الأعلى للحسابات 2014 حول المغرب الرقمي ،
- والتقرير التحليلي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي2014، 
- عرض رشيد بلمختار أمام لجنه العليم والثقافة والاتصال، الرباط، أكتوبر 2014.
- برنامج عمل الوزارة 2013-2016، 
- التقرير الموضوعاتي المركزي حول اللقاءات التشاورية شتنبر 2014.
2-المراجع الأجنبية ويمكن التمثيل لها ب:
- تقرير اليونيسيف 2014: 
- تقرير منظمه اليونسكو التعليم للجميع للموسم 2013/2014؛ 
-  تقرير التنمية البشرية 2014 برنامج الامم المتحدة الانمائي؛
3- ما يصدر من بلاغات ودراسات إعلامية وصحفية عن منظمات وجمعيات غير حكومية، هذا إلى جانب المواقع الإلكترونية المتعددة لمختلف الوزارات المتدخلة.
والحق أن التقرير يحاول أمام غياب المعطيات وشحها وصعوبة الوصول إليها استقراء ما يتوفر عليه من معطيات والمقارنة بينها واستجلاء الشروخ الواقعة بين الخطاب المعلن والمنجز الواقع في محاولات حثيثة لتكوين واستجماع ملامح منظومة  تربوية  لا تكاد تبرز إلا في  صورة مهترئة ضائعة في وجهتها .
رابعا:مظاهر الخلل:
في رصده لمظاهر الخل في سيرورة المنظومة التربوية المغربية ارتكز التقرير على رصد ملامح تلكم المظاهر في ستة  مجالات كبرى هي :
1- مجال السياسة التعليمية التي  وسمها بفوضى القرارات ورصد بعضا من تجلياتها في: 
- تبعات التحكم السياسي في القرار التربوي  وما يحدثه ذلك من رهن التعليم بالقرارات الفردية لأدوات التحكم وتغييب آليات المقاربة التشاركية  من خلال إقصاء المجتمع وقواه الحية؛ 
- استمرار الارتجال والطابع المزاجي في مختلف القرارات المعتمدة؛
- غياب استراتيجيات ملائمة لهوية المواطن  ولحاجياته  وضبابية الرؤية  للتكوين ولوظائف التخطيط والتوجيه والتفتيش ؛
- التذبذب في  تطبيق الميثاق بإخراج الأبعاد المتعلقة بالتربية على الاختيار والقيم ومجال التكوين والتحفيز؛ 
- القفز على خلاصات تقويم البرنامج الاستعجالي؛ 
- هيمنة المركز وغياب الحكامة التربوية الجيدة وغياب منظومة للمتابعة التقويم ؛ 
ولعل الذي تم التأكيد عليه ضمن هذا المستوى هو "التمادي في نهج الطرائق ذاتها والمقاربات نفسها في نهج الإصلاح التعليمي نهج المجالس وجلسات الاستماع، ومنتديات الإصلاح ،وهي التي أثبتت فشلها مع استمرار  فتح المجال للتقنويين، وجعل الميدان مجالا للتقاطبات السياسيوية" 
2-التحصيل الدراسي ونعتها التقرير  على مستوى المخرجات بالمردودية المنفلتة  مبرزا أهم تجلياتها في :
- فشل الدولة في  تحقيق المعبر عنه في الشعارات المعلنة الرامية إلى احتضان المؤهلين للتمدرس بسلك التعليم الأولي؛
- غلبة المقاربة الكمية  العددية في تعميم التعليم مقارنة مع جودة ظروف الممارسة الصفية؛
- تردي الأوضاع الإدارية والتربوية بالمؤسسات التعليمية نتيجة ضعف إمكانيات العمل ونقص التجهيزات، والخصاص في الموارد البشرية؛
- استمرار ظاهرة الاكتظاظ في التعليم  والمعالجة غير التربوية لسد الخصاص  من دون مراعاة للكفاءة التربوية، 
- اتساع الهدر المدرسي إذ يورد التقرير أن حوالي 350 ألف تلميذ وطالب يغادرون الدراسة سنويا؛ 
- اعتماد نظام التقويم على اختبار المحتويات والمضامين  وهو ما لا  يتناسب مع تبني المقاربة بالكفايات؛ 
- ضعف الكفايات اللغوية فحوالي 57 في المائة من التلاميذ  لا يمتلكون الحد الأدنى من الكفايات؛
- تسجيل رقم قياسي للتصرفات العنيفة حيث بلغ عدد الحالات المضبوطة حوالي 149000 حاله معظمها في التعليم الثانوي. 
- عدم توفير شروط الإيواء الجيد في الداخليات.
ولقد تم تجميع هذه الخلاصات من خلال عملية رصد تتبعي وصفي لمختلف مستويات التعليم مع دعم ذلك بمعطيات ومؤشرات رقمية متنوعة المصادر والمراجع وبجداول ومبيانات إحصائية واصفة ونسب مئوية مدققة . 
2- التوجيه التربوي وركز فيه التقرير على ما سماه بوضعية الجمود في المجال وبممارسات وهم التوجيه في ظل تغييب الشروط العلمية القمينة بضمان توجيه حقيقي ذي مردودية فاعلة ووقف التقرير هنا على الخصوص عند  :
- الطابع الانفرادي في  إرساء البكالوريا الدولية والبكالوريا المهنية   بمنهجية ترسخ  تغيب المشاورات و تضرب تكافؤ الفرص ؛
- الاستعجال في تنزيل  هذا المسار الجديد  من دون التحضير الجيد له بنية وأطرا ومنهاجا ؛
- التأخر في صدور المذكرة الإطار المنظمة للمسالك الدولية وللبكالوريا المهنية ، 
- عدم إشراك الفاعلين التربويين (أطر التدريس، اطر المراقبة التربوية)في إرساء هذه التجربة ،وخصوصا أطر التوجيه؛ - عدم إعادة تأهيل الأساتذة المسند إليهم أقسام المواد العلمية والفرنسية؛
- عدم إرساء آلية المتابعة والتقويم للتجربة؛ 
- مساواة معامل اللغة الفرنسية في الانتقاء بمجموع معاملات المواد العلمية الثلاث واللغة العربية مجتمعة؛
ولقد كشف التقرير في تقويمه لهذه البكالوريا الجديدة  إلى جانب تركيزه على منهجية الإرساء المتخبطة عن الخلفية المؤطرة  للعملية برمتها من خلال بيان هيمنة الخيارات الفرنكفونة والتقنوية للقائمين على توجيه المنظومة التربوية في المغرب .
3- البرامج والمناهج وسم التقرير هذا المجال بغياب البوصلة  وأظهر اختلالاته في :
- استمرار جمود المنهاج وعدم مسايرته للمستجدات، وغموض واضطراب  المقاربات البيداغوجية؛
- إطلاق البكالوريا  الدولية بالثانويات  التأهيلية من دون توفير البرامج والمقررات وطرائق التدريس ؛ 
- عدم القدرة على تطوير الموارد الديداكتيكية رغم سنوات برنامج جيني ؛
- تردي مستويات تدريس المواد العلمية والابتعاد عن المنهج العلمي التطبيقي بسبب ضعف العتاد وقدمه؛
- غياب رؤية واضحة لمعنى الدعم التربوي؛
- استنفاد الكتاب المدرسي الحالي لجدواه ناهيك عن الإشكالات المرتبطة بتحريره والتحكم فيه عبر اللوبيات والمؤلفين من دون مراعاة البعد التربوي وعدم مراجعة التعدد الذي يتم على حساب الجودة؛
- كثرة المواد المقررة وغلبة التكرار عليها وسيادة البعد المضموني والمعارف على حساب الكفايات المختلفة ؛ 
4- الوضع اللغوي: وركز فيه على اختلالات أجملها في :
- استمرار التشبث بالفرنسية خيارا استراتيجيا لدى الحاكمين والمدبرين؛
- التنقيص الدائم من وضعية العربية ورد فشل المنظومة إليها؛
- التمكين لدعاة التغريب والدارجة وترقيتهم إلى درجة الخبراء في التعليم وعقد المنتديات والندوات لهم وحضور المسؤولين الرسميين فيها .
- تردي الكفايات اللغوية كلها؛
- استمرار تغييب المقاربة العلمية في تعليم اللغات والتعلم بها؛ 
5- مجال القيم أبان التقرير هنا عن :
- فشل المدرسة المغربية في كسب التحدي القيمي الأخلاقي وبالتالي فشلها في أداء وظائفها التربوي الأصيلة ؛
- انتشار مظاهر الانحلال الخلقي والانحراف السلوكي وتواتر قيم الانتهازية والخمول ؛
- تحول المؤسسة التعليمية إلى وكر لإنتاج المخدرات والمنحرفين والعنف والغش؛
- استمرار المقاربات المقدمة للإصلاح في تعويم معنى القيم مفهوما ومرجعية وتطبيقا
6- التعليم العالي والبحث العلمي:
تحدث التقرير الأخطاء المنهجية التي اعتمدتها الوزارة الوصية على القطاع في صياغة برنامج عملها المتوسط، وعن عدم تقديمها لنتائج دراسة المسالك المعتمدة، وبين أن بعض  المؤسسات المحدثة  في القطاع تتداخل اختصاصاتها مع مديرية التعليم العالي .
وركز بعد معطيات إحصائية عن ضعف نسبة التأطير وقلة المردودية وضعف انخراط النسيج الاقتصادي في التكوين، وفي مجال البحث العلمي فقد أبان التقرير عن غياب سياسة واضحة لمقاربة هذا المجال واستمرار العجز في ربط البحث العلمي بمقتضيات التنمية.  
خلاصات عامة:
لعل الخلاصة العامة التي يمكن استنتاجها من تتبع قراءة تقرير المغرب في سنة 2014 لواقع التعليم بالمغرب أنه رغم  هذه الحركية الي توهم بوجود دينامية في مقاربة الوضع التربوي بالمغرب من خلال تركيز  الأضواء على عمل بعض المجالس واللقاءات فإن الدراسة المتأنية تكشف عن تردي هذه المنظومة في  مستويات عدة: في  المستوى السياسي مازالت منهجية التحكم مترسخة عبر رهن القرار التربوي للإملاءات السياسية. على المستوى التدبيري مازالت الوزارة وفية لنهجها الارتجالي والاستعجالي في إقرار وتنزيل إجراءات لا تراعي  الواقع ولا تعتمد التشاور. على مستوى الحصيلة التربوية والتعليمية لم توفق المناهج المختلفة والبرامج المعتمدة في تنمية الكفايات المتعددة للمتعلم المغربي، ولم ينجح في ربط التعليم بقاطرة التنمية. واستمر الوضع اللغوي يعاني تخبط التشبث بالفرنكوفونية. وضاعت الوظائف التربوية والأخلاقية للمدرسة في دوامة العنف والانحلال.
إن الخلاصات هاته تدق ناقوس الخطر حول  ما تعرض له أجيال البلاد ورأسمالها البشري الحقيقي من اغتيالات رمزية بسبب غياب رؤية واضحة لما يجب ان تكون عليه منظومة تربوية تعليمية تريد الدخول إلى عالم المعرفة الهاجم المكتسح.







tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: