تتعدد طرق التواصل الإنساني و تختلف وفقا لمجموعة اعتبارات، يلعب خلالها الملقي (مصدر الخطاب)، الدور الرئيسي في عملية التواصل و التوصيل.
فالملقي نقطة انطلاق الأفكار و المعلومات و  غيابه يعني غياب تلك الإنسيابية التوصيلية، و معلوم أن الطرف الثاني في عملية التواصل طرف متلقي أو مرسل إليه، و أي خطاب كتابي أو شفوي تطلب التوفر على العناصر الأساسية المحققة لعتبة القبول و التقبل كي يكون هناك إقناع و اقتناع من طرف المتلقي، و هذا الأمر لا يتأتى إلا إذا توفرت العناصر التالية في كل خطاب:
-حمولته الفكرية و المعرفية:
-تجنبه للكثافة الكلامية، و التكرار حيث أن الخطابات الأكثر قدرة على الإقناع و التوصيل الجيد تلك التي تعتمد على الأفكار المهمة مع تجنب التوظيف الكثيف للمصطلحات و مرادفاتها، فالنص قيمته في أفكاره لا حجمه و سعته الكلامية.
-المستوى الفكري لصاحب الخطاب:
هنا لا يتم التطرق للخطابات السياسية و التي تتأسس على مرجعية نفعية، تحت شعار "امنحونا ثقتكم نحمي مصالحكم". و أغلب هذه الخطابات لا تكون ذات قيمة فكرية، إلم نقل أنها تسعى لتحقيق مصالح على حساب مصالح أخرى، و غالبا ما تنزاح نحو التدليس و التحريف لتحقيق الأهداف  المتوخات من ورائها، و هي في أغلبها خطابات جاهزة و مستوردة. هي منتوج فكري لأشخاص و تكتب أو تقرأ بواسطة آخرين، ما يعني الجهل بما تضمنه الخطاب يؤدي بالضرورة إلى صعوبة ترجمته على أرض الواقع ما دام منتوجا فكريا في ملكية آخر.
فيما يتعلق بالجانب التربوي، فيمكن إعتبار جل أشكال التلقين، خطابات تتراوح بين المكتوبة، المسموعة و المرئية، و التي تعمل على تقديم كم من المعلومات المعرفية للمتعلم/ المتلقي. و أكيد أن القدرة الإقناعية لهذه الوسائل التلقينية/ الخطابية( مقررات، مراجع، طريقة المدرس/ مصدر الخطاب، الصور و الرسومات الموظفة)، تتفاوت قيمتها التوصيلية حسب طريقة صياغتها، قيمتها المعرفية، مرعاتها لشروط و ظروف التلقين الزمانية و المكانية، بمعنى أن لكل وسيلة تلقينية هنا قدرة على التوصيل و المرتبطة بعتبة معينة إذا تجاوزت او انخفضت عن هذه العتبة فقدت قدرتها على التوصيل الجيد و الذي يعني الإقناع و الإقتناع. و هذه العتبة تتقيد بظروف المكان، حيث أن البيداغوجيات المعتمدة داخل المؤسسات التعليمية، قد تفقد فعاليتها إذ بقيت مقيدة بالروتين المكاني، فتغيير معالم المكان/ الحيز التلقيني يزيل النمط الإعتيادي الذي يقد يصيب المتلقي/المتعلم بحالة الضيق أثناء التلقي، و معه تستحيل إمكانية التوصل الجيد بالخطاب المستقبل على اختلاف نوعيته و مضمونه. إذ يسقط هذا الخطاب في الإعتيادية و يفقد قدرته على الإقناع و يستحيل على المتلقي الإقتناع به شكلا و مضمونا، ما يعني أن هذا الخطاب سقط في خانة الهدر الكلامي، وبالتالي الهدر الزماني، إذ كل فترة خطابية/ حصة دراسية تكون مقيدة بمدة زمنية وفق رزنامة مشطرة مسبقا،و سقوط الحصة في هدر كلامي/زماني، إخلال بالتسلسل  الزمني المعرفي للفترة الدراسية.
الإقناع يكون من تقبل و تجاوب المتلقي مع الخطاب شكلا و مضمونا، و في حالة التلقين داخل المؤسسات التعليمية يتأتى من خلال تحقق استيعاب و فهم للمعلومات التي جاء بها الخطاب، أي الإقتناع الذي يكون توافقيا في الحالتين، أي تقبل مضمون الخطاب بالموافقة و التأييد في الحالة الأولى و الفهم و إغناء الرصيد المعرفي في الحالة الثانية.
و هنا تحضر العناصر المهمة من أجل تحقيق القدرة الإقناعية للخطاب (القيمة الفكرية و المعرفية المضافة التي يقدمها للمتلقي، طريقة تبليغيه و القدرة على جعله خطابا إقناعيا)، إذ الإقناع بالخطاب نهايته اقتناع و تقبل من طرف المتلقي، و الإقتناع يعني تحبيذ لهذا الخطاب شكلا و مضمونا، و بالتالي استيعاب لجوهره و تفاعل مع مكوناته.
إذا فالإقناع إقتناع بالضرورة، و الإقتناع تحبيذ و تفاعل مع دافع الإقتناع أي الخطاب،  و بالتالي لتجاوز للهدر الكلامي و الذي ليس سوى إلقاء عشوائي يميل للكثافة الكلامية و التوظيف الغير معقلن للمصطلحات و مرادفاتها، دون توصيل مغزى  واضح قابل للفهم من طرف المتلقي، و بذلك فلا قيمة لأي خطاب غابت عنه قيمته الفكرية و قدرته الإقناعية، و الذي يكون تصنيفه نهاية مجرد هدر كلامي فارغ شكلا و مضمونا. 

بقلم : عبدو الكسيري  الكوشي





tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: