ذ محمد أبحير
                                              أستاذ بثانوية دمنات التأهيلية 
يحظى التواصل الصفي بمكانة سامية في الممارسة البيداغوجية للمدرس ، إذ ييسر سبل الممارسة التعليمية – التعليمية ، أو قد يعيقها إن لم تحترم قواعد العلاقة التربوية بين المدرس و المتعلم و أسلوب التواصل بينهما . فما هي أنماط هذا التواصل ؟ وكيف يشتغل المتعلم داخلها ؟  . 
يرتكز النموذج التواصلي الصفي التقليدي على فكرة تفوق المعلم ودونية المتعلم واعتبار المدرس المالك الوحيد للمعرفة داخل الفصل،بل وحتى مالك الفضيلة و الشمائل الرفيعة،في حين ينظر إلى المتعلم على أنه عبارة عن وعاء فارغ بالإضافة إلى طبعه الشرير " حيث يقتصر عمل المدرس على ملء عقول التلاميذ بمحتويات لا صلة لها بالواقع المعيش لهم،مما يجعلها مادة ميتة لا تثير اهتماماتهم ". 
و يعتمد هذا النموذج على الأسلوب التلقيني الممل بالإضافة إلى استعراض المدرس لعضلاته خلال عرض المعطيات و المعارف.في حين يقتصر دور المتعلمين في الإنصات و الحفظ الآلي و تكرار ما سمعوه دون التعمق في مضمونه،حيث إن المتعلم يحفظ لكي يفهم بدلا من أن يفهم ثم بعد ذلك يحفظ،وهو ما يجسد بوضوح وضعية الأواني الفارغة التي تملأ من قبل المدرس بكلمات جوفاء محنطة . 
ويشبه باولو فرايري المتعلم في هذه الوضعية ببنك يقوم المدرسون بإيداع المعلومات فيه،وهو ما أطلق عليه بـ : المفهوم البنكي للتعليم،ويرى أنه انعكاس لمجتمع القهر، بينما التعليم الحق هو الذي يعمل على إذابة الفوارق بين الأستاذ و تلميذه وتوفير أرضية ملائمة و صالحة للتواصل فيما بينهما يصبح الطرفان فيها أساتذة وتلاميذ في الوقت نفسه . 
إذن ، فالمنهج البنكي يعطل ملكة الإبداع عند المتعلم،كما يعمل على تنمية الفوارق و التناقضات بين المدرس و المتعلم، وبالتالي تسلب من هذا الأخير حريته، " في حين إن منهج طرح المشكلات الذي يعتمد الحوار أساسا يساعد على الإبداع،ويستفز نزعة الفهم و التبصر بحقائق الوجود،وبالتالي فإنه يحقق إنسانية الإنسان،فهو منهج يتسم بالتورية " . 
 وفي إطار العلاقة القائمة بين هذا النموذج التواصلي والتغذية الراجعة ، يتبين أنه ينحو منحا أحاديا يسير في خط واحد،حيث نجد أن المدرس يزود المتعلمين بالمعارف و الشروحات دون الاهتمام بردودهم وسلوكاتهم و ماهية إجاباتهم،مما ينعكس سلبا على مردوديتهم وكذا على مردودية الأستاذ حيث لا يستغل إجاباتهم في الامتحان مثلا لتصحيح أدائه ومسار تدريسه، وبالتالي فهناك انعدام للفيد باك أو التغذية الراجعة،حيث أصبحت هذه الأخيرة " أداة لكشف التهاون لا أداة لمراجعة الخطاب المرسل " . 
في حين يعتبر د محمد الدريج في كتابه " التدريس الهادف " أن التكوين في النموذج التقليدي يسير وفق الخط التالي : 
المرسل(المدرس)               الرسالة(الدرس)              المستقبل(المتعلم)                    
حيث نلاحظ هذه البنية الخطية الأفقية في مجموعة من الخصائص منها : 
- أولا : تجسيد فكرة المستقبل الوحيد و المتلقي الوحيد ( المتعلم ) . 
- ثانيا : جمود المتلقي و عدم اسهامه في الرسالة كإغنائها او إعدادها مما يؤدي بنا إلى مهاوي المعادلة الاتية : 
الأستاذ يشرح                التلميذ ينصت
التلميذ يستظهر               الأستاذ يسأل
- ثالثا : فقر في ردود أفعال المتلقي على المستوى الوجداني مما يؤدي الى تحنيط العلاقات الانسانية بين المرسل و المتلقي .
وبما أن العملية التربوية باعتبارها عملية تواصلية تستوجب خلق علاقات انسانية بين عدة أطراف ، فإن نموذج التواصل الصفي الفعال المرتكز على الفرد، يؤمن بفعالية المتعلم نظرا للمؤهلات الذاتية التي يمتلكها ، والتي تمكنه من التطور إذا اتيحت له الفرصة السانحة لذلك ، كما أن ذلك مشروط أيضا بتمتيعه بكامل حريته وتوفير المناخ الملائم لكي يفجر طاقاته الثاوية فيه ، لذلك على المدرس أن يكون سلبيا . ويجب في هذا النموذج أيضا " احترام الفروق الفردية و التمايزات الموجودة بين المتعلمين و اعتماد التعلم على الاكتشاف الذاتي و على البحث " .  
أما نموذج التواصل الصفي الفعال المرتكز على الجماعة ، فيتقاطع مع النموذج  السالف الذكر في كونهما يؤمنان بفعالية المتعلم و حريته ، كما ينتمي هذا النموذج إلى " الطرائق الفعالة المرتكزة على آليات التفكير الجماعي " ، مثل طرائق كل من كوزيني (Cousinet) و ماكارينكو (   Makarenko)  و فريني ( Freinet) . و بالتالي فإن وجه الاختلاف بينه و بين النموذج الأول يكمن في " كون المهارة مرتكزة على الجماعة ، وهكذا فالتركيز يتم على أن تكون عملية التواصل ضمن الجماعة و بالجماعة " . أي اعتبارها وسيلة وهدفا ، ومن تم يكون المدرس واحدا من أفراد الجماعة . 
وحاصل الكلام ، على الرغم مما قيل وسيقال عن النموذج التقليدي في التواصل و النموذج الفعال ، فإن " طريقة الشرح و التلقين على سبيل المثال ، و التي تحتل مكانة خاصة في النموذج التقليدي ، تبقى وفي العديد  من المواقف و المستويات التعليمية ، ضرورية وفعالة كما أن هناك من يرى في طريقة الالقاء مزايا شتى منها إثارة انتباه التلاميذ وتشويقهم و توفير ما ليس في طاقتهم من معلومات ... وما الى ذلك " . 
إلا أن التواصل التربوي يقتضي العناية بشخصية المتعلم و مساعدته على تفتيق  مواهبه وإثارة روح المبادرة فيه ، بالإضافة إلى العناية بالطرق و الأنشطة التعليمية وعقلنتها لمسايرة ركب التطور و السباق الحضاري ، وهذا لن يتأتى إلا إذا كان للطرق و المناهج التربوية امتداد في الواقع . 

المصادر و المراجع
* نظريات التعلم : المتعلم في جماعة الفصل ، خالد المير وآخرون ، سلسلة التربية و التكوين ، العدد : 2 ، 1996 م .  
* التدريس الهادف ، محمد الدريج ، ط: 1 ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، 1994م .
* التربية بين المفهوم البنكي و المفهوم الحواري ، باولو فرايري ، ترجمه : ذ ادريس عزيز الوزاني ، الدليل التربوي ، اشراف محمد الدريج ، 1992م  .







tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: