ان ظروف التلقين و التعليم و ان كانت تعتمد على اليات و وادوات خاصة، مؤطرة بتصورات ونظريات قبلية اتبثت عبر التجريب و النمذجة، فعاليتها و قدرتها على التلقين الجيد و الوصول الانسيابي  للمعلومات المعرفية. مهما تعددت العراقيل و الحواجز، الا انها تتاثر ايضا بالفضاء او المجال المحيط بعملية التلقين و التربية. 
فالمعلوم ان عملية التلقين الرسمي المهيكل، تتم داخل المؤسسات التربوية سواء تعلق الامر بالعمومية منها او الخاصة. هذا الفضاء المكاني المعبر عنه بالقسم او الفصل الدراسي، و الذي تتم خلاله التفاعلات الخطابية بين الملقي/المدرس وادواته الموظفة المباشرة(تقنيات بيداغوجية)، و الغير مباشرة(كاريزما، طباع، المظهر الخارجي)، و المتلقي/التلميذ من جهة. هذا المجال له تاثيره الكبير في نجاح العملية التلقينية من عدمه. اذ من المعلوم ان المتلقي خلال فترة طفولته يتميز بتحبيذ شتى اشكال المرح و اللعب، واذا كان اللعب مكانيا مرتبطا بالفضاءات الرحبة و الشاسعة وفق مخيلته، فان مجال التلقين يحدث تغييرا في الابعاد المساحية المسلم بها حسب تفكيره وقد يذهب هذا التغيير الا حد تصور هذا المجال مكانا مقيدا لحركيته و تثبيطا  لنشاطه البدني المهم والعالي كامر بديهيي خلال مرحلة الطفولة، باعتبار طبعه المرح. 
هذا التصور قد يغير مفهوم المجال المكاني/القسم لدى الطفل بشكل سلبي، ما يجعل الاستقرار السيكولوجي لدى الاخير في حالة تذبذب كلما تواجد داخل هذا المجال، ما دام يعتبر في نظره حيزا مقيدا لحركته، و يلزمه بالسكون و الحركية المقننة و المحسوبة كما و كيفا، وبالتالي تاثير ذلك على قدرته في التعلم و التلقي. فتذبذبه النفسي داخل الفصل الدراسي يؤدي لا محالة لوقوعه في حالة الضيق و بالتالي عدم قدرته في التجاوب و طرق التلقين و التربية مهما بلغت درجة فعاليتها، ويصبح عمل المدرس هدرا للجهد و الوقت. لان الراحة السيكولوجية عنصر مهم لدى المتلقي حتى تتم عملية التلقين بشكل صحيح و فعال، و يتحقق الاستيعاب و الفهم الجيد للمعلومات المعرفية الملقنة. 
لذلك كان لزاما من اجل تجاوز مثل هذه المعيقات التي تضعف عمليتي التلقين و التربية ، خلق نوع من التوازن البيداغوجي من خلال توزيع حصص التلقين بين المجال المكاني الضيق(الفصل الدراسي) و المجال المكاني الواسع والرحب(خارج الفصل الدراسي)، كنوع من التنويع المجالي الذي يكسر روتين التلقين داخل المجالات المغلقة و الضيقة من جهة، و يتماشى و طبيعة الطفل المتميزة بالمرح و الانجداب اكثر نحو الفضاءات الرحبة التي تمكنه من التحرك باريحية و لا تحد من نشاطه البدني الزائد. وذلك من خلال التوفيق بين التلقين النظري و التطبيقي، الاول الذي يرتبط ارتباطا كبيرا بالفصل الدراسي و الثاني الذي يجد ظروف التفعيل الملائمة خارج الفصل الدراسي ويتماشى و طبيعة الطفل الحركية و المتميزة بالنشاط الدائم، فالاشغال التطبيقية خصوصا خارج الفصل الدراسي كسر لمنظور المجال المغلق  لديه، كحيز مقيد، من خلق ذلك الترابط بين المجال المغلق/الفصل الدراسي، و المجال المفتوح خارج الفصل عن طريق الخرجات البيداغوجية المنظمة و الدورية وفق حصص زمنية موازية للحصص المقررة داخل الفصل الدراسي. و بالتالي تسقط تلك النظرة السلبية لدى المتلقي للمجال المغلق و تتحول لرؤية تعتبره جزء لا يتجزأ من المجال المفتوح.
فتجربة التلقين النظري و التطبيقي ليست حكرا على التعليم العالي و قبله الثانوي و الاعدادي، فمواكبة تطور البرامج التعليمية تقتضي ان يشمل الامر جانب التعليم الابتدائي كمرحلة بناء قاعدة متماسكة متينة قادرة على انجاح مرجلتي التعليم الاعدادي/الثانوي و بعده العالي. و بالتالي فالتعليم النظري في اطار المجالات المغلقة و التطبيقي في المجالات المفتوحة، مطلب ضروري في جل مراحل التعليم من بدايتها الى نهايتها.
والنظري يبقى غير مكتملا في غياب التطبيقي، و الزخم المعرفي من معلومات ملقنة داخل الفصل الدراسي تبقى في حالتها الخام و تنتظر عملية المعالجة و التحويل، هذا التحويل الذي يتطلب ارضية معاينة من اجل المقارنة بين ما هو ملقن و ماهو واقع كتجسيد لما هو ملقن. حتى يكون التوصل باستنتاجات مبنية على التطابق المنطقي الذي يعزز ترسيخ المعلومة المعرفية في عقل المتلقي، ما دامت تفرز انسجاما يتمثل في توافق ما تم التوصل به نظريا داخل المجالات المغلقة و تطبيقيا مع الواقع الملاحظ خارج المجالات المغلقة.
اذا فالتلقين المتكامل بيداغوجية توفق بين النظري و التطبيقي، و تراعي البعد السيكولوجي و طبيعة المتلقي/الطفل المرحة و النشيطة، المرتبطة اكثر بالفضاءات الرحبة، وتسعى الى كسر ذلك الروتين التلقيني السكوني المرتبط بالمجالات المغلقة، من خلال نقله و تمريره بين الفينة و الاخرى نحو المجالات المفتوحة، من اجل تجنيب المتلقي السقوط في التذبذب السيكولوجي، تعزيز المعلومات الملقنة نظريا بالواقع المعاش تطبيقا من خلال خرجات بيداغوجية تطبيقية، نظرية او هما معا.

بقلم : عبدو الكسيري الكوشي.





tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: