صرخة قبل انسداد الأفـق
"... ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكـم"
سعيــد عبيــد 

السياسيون الحكماء هم الذين يتخذون قرارات تجنب شعوبهم مهالك ما ينذر به الفيضان الذي تتنبأ به نشرات الأرصاد، وليسوا أولئك الذين يهيئون الرُّكب لتتحمل مزيدا من الغرق في الأوحال؛ وقد أضحى في حُكم اليقين أن الأوحال التي ينذر بها فيضان إضراب الأساتذة المتدربين سوف تغرق المدرسة العمومية إلى العنق، لأنها فعلا غرقت إلى ركبتيها منذ زمن.
لم تقدم الحكومة المغربية - إلى الآن – أي مبرر مقنع لمرسومي يوليوز 2015 اللذين أشعلا فتيل نار مجّانية، كانت البلاد والعباد في غنى عنها. كل ما تردده الحكومة على ألسنة أعضائها وأشياعها السياسيين أنها بالمرسومين تحارب "الريع"، وتكرس الجودة؛ وقد تبين لكل ذي عينين أن مقصد المرسومين ليس سوى خدمة مشروع خوصصة حق التعليم، بتفييض الأطر المكوَّنة قصد توفيرها لتجار التعليم الخصوصي، من خالص المال العام. أما الذين لم يروا "الريع" ملء أحداقهم الجاحظة إلا في التوظيف في سلك التعليم، وما رأوه لا في مقالع الرمال والأحجار، ولا في مصايد أعالي البحار، ولا في تراخيص النقل، ولا في استغلال المناجم ونهب ثروات البلاد العامة، (وكلها ملقات أقبرتْ في شهرها الأول)، فلا شك أنهم مصابون بعمى ألوان "الريع"، وهو ضرب من العمى لا يُلبس الألوان ببعضها فحسب، ولكنه يهيّئ لصاحبه أنه يرى لونا ما في ما لا لون له أصلا؛ وإلا، فأي عاقل يتهم أستاذا متدربا يمر عبر ثماني مصافٍ تقويمية منذ امتحان الانتقاء الأولي إلى امتحان الكفاءة المتربوية مصفاةً مصفاةً بـ"الريع"، وكأنه توظيف مباشر على شاكلة الذين جاءت بهم الحكومات السابقة من "الزنقة" إلى الأقسام مباشرة، لأهداف انتخابية ومقاربات أمنية مرذولة جنت على التعليم؟ أوَلَا تضمن تلك المصافي "الجودة" المفترى عليها إن لم يعترها دخن؟ أوَلم يرسب في السنة التكوينية الماضية بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين السنة أزيدُ من 200 أستاذ متدرب لعدم استيفائهم الكفايات المهنية المطلوبة، سواء في مجزوءات التكوين أم في امتحان التخرج؟ أوَلم تعزل الوزارة مؤخرا 160 أستاذا لعدم نجاحهم في امتحان الكفاءة التربوية بعد أربع دورات؟ هكذا تراقب الجودة، وليس بمباريات وظيفة محددّة النسبة بـ"كوطا" سلَفًا!
لا مزيد من الأدلة على أن المرسومين لم يأتيا إلا انبطاحا أمام مشروع لوبيات القطاع الخصوصي في التعليم، بما فيه من إهلاك لحرث المدرسة العمومية ونسلها، وهو الإهلاك الذي سيصل بها في حال عدم حلّ مشكلة الأساتذة المتدربين إلى أقصى ما يمكن أن يتصوره أكثر المتفائلين من أرباب التعليم الخصوصي المستعجلين انهيارَها، وإقامة مشاريعهم النيوليبرالية المتوحشة على أنقاضها، ليبيعوا للمواطنين "التعليم"، محتكرين إياه كأي سلعة أخرى! فالتعليم العمومي مهدد ابتداء من الموسم المقبل باكتظاظ الأقسام حد الاختناق، وبسُعار جنون بدعة المواد "المتجانسة" أو "المتآخية"، وبمزيد من سريالية تكديس المستويات في الأقسام المدعوة بـ"الأقسام المشتركة"، وربما بتجميد الحركة الانتقالية والتقاعد النسبي، وباستبقاء المتقاعدين حتى يتموا مواسمهم، وبما لا يعلم إلا الله مكرَ ما يدبّره المدبرون بليل! وحينئذ – ويا للمفارقة!- سيجني أرباب التعليم الخصوصي أضعاف ما أمّلوا جَنيَه من المرسومين المشؤومين، بما أنهم سيربحون "زبناء" جددا مستجيرين بالنار من الرمضاء، وإلّمْ يكسبوا أطرا تربوية مؤهلة! اختلفت الطرق الملتوية، وتعددت المكاسب غير الشرعية، والغاية واحدة.
في الخطاب التربوي الأنيق الذي يتداوله شباب الصحوة الإسلامية كلام على درجة عالية من المسؤولية الأخلاقية، ونتف مؤثرة من سير الأنبياء والخلفاء والصالحين، غير أن ذلك الخطاب سيظل مجرد ظاهرة صوتية ما لم يتحول إلى سلوك حي يمشي على رجلين فوق الأرض، مثلما تحقق في الأولين الذين وسعوا الدنيا بعدلهم لا بتحكمهم، ووسعوا القلوب بأخلاقهم لا بأموالهم أو نفوذهم. ومما لا شك أن السيد رئيس الوزراء تداوله من قبل مع شباب حركة "الإصلاح والتوحيد" ما وقع بين عمر بن الخطاب (ض) وأحدهم من نقاش حاد، قال له على إثره: "اتق الله يا أمير المؤمنين!" فقال له رجل من الحضور مستنكرا: "أتقول لأمير المؤمنين: اتق الله؟" فقال له عمر: دعه فليقلها لي، نِعمَ ما قال"، ثم أضاف كلمته السامقة الخالدة: "لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم".
ليس بعد كلام أمير المؤمنين كلام، غير أني أود أن أذكر السيد رئيس الحكومة ببعض من القواعد الفقهية المؤصلة لترجيح المصالح في حال تعارضها، مستحضرا ناظما رئيسا يتمثل في أن الأسس المقاصدية هي التي أصّلت لشرعية المشاركة السياسية لحركة "الإصلاح والتوحيد" التي انبثق منها "حزب العدالة والتنمية" الذي يرأسه، كما نظّر لها المقاصديون من قبل، ومن بينهم رئيس الحركة الأسبق د.أحمد الريسوني، مع تعليق مقتضب يربط بينها وبين قضية الأساتذة المتدربين قيد الحديث، على اعتبار أنْ "ليس العاقل من يعرف الخير والشر، ولكن العاقل من يعرف خير الخيرين، وشر الشرين":
-  قاعدة "الضرر يزال شرعا": (ولا يُتفرج فيه طيلة خمسة شهور).
- قاعدة الضرر لا يُزال بالضرر: (على افتراض أن ارتباط التكوين بالتوظيف ضررٌ جدلًا، فالمرسومان ضرر جليّ).
- قاعدة "دفع المضار مقدَّم على جلب المنافع، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح": (مع العلم أن الضرر الذي سينال المدرسة العمومية هنا مؤكد، و"نفع" المرسومين المفترض مشكوك فيه).
- قاعدة "يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام": (على افتراض أن في تلبية مطالب الأساتذة المتدربين ضررا خاصا ما، فعدم تلبيتها ضرر للمدرسة العمومية وعموم المواطنين).
- قاعدة "يرتكب أخف الضررين، وأهون الشّرّين، اتقاءً لأشدّهما": (على افتراض أن تلبية تلك المطالب ضرر محض!).
- قاعدة "الحاجة تنزل منزلة الضرورة": (وأي حاجة للمواطن أشد من التعليم الذي ينبغي أن ينزل هنا منزلة ضروريات الدين والنفس والعقل والنسل والمال؟).
- قاعدة "الحرج مرفوع شرعا": (فبادر إلى رفعه مشكورا، قبل أن تصير على تثبيته موزورا).
ليس لدي أدنى شك في أن كل أولئك السياسيين الذين يجلسون تحت قبتي البرلمان ومجلس المستشارين يدرّسون أولادهم في مدارس ومعاهد خاصة، داخل البلاد أو خارجها، وأنْ ليس من بينهم واحد على اتصال مباشر بالمدرسة العمومية، يعاني من مشاكلها ما يعانيه أولاد الناس، ويخشى منها وعليها كما يخشون، وهذا ما يُفقد أولئك المنتخَبين أصلا شرعية التمثيل السياسي في أمر عام ليسوا بناره مُكتوين، وإن حصلوا على كافة أصوات دوائرهم الانتخابية، لانعدام شرط الاشتراك الذي يعطي أي تمثيلية شرعيةً ما. غير أني أيضا لست أشك البتة في أن لتلك المدرسة العمومية نفسها الفضل كل الفضل على جل أولئك السادة، لأنهم خريجو صفوفها، وثمار شجرتها، قبل أن يُدبّر لها هذا المآل المرعب. لذلك أرجو ألا يدفعهم عقوق هذه الأم الرؤوم إلى مزيد من العناد إزاء ملف الأساتذة المتدربين، لأن العناد هنا ليس سوى زيت تزيد نار المدرسة احتراقا، قبل أن يجرف الطوفان ما يتبقى:

وبينَ النارِ والطوفانِ تغـدُو
    مدارسُنا رُفاتًا بعدَ عيْـنِ

وعندئذٍ ستبحث عن بديـلٍ
    لبنتكَ كيْ تُعلّمها بِدَيـْنِ

فلا تلقى سوى مَن باحتكـارٍ
    يبيعُك حِصةً أو حصّتيْـنِ








tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: