التعلم بين الاكتساب و الاستبصار المعرفي

التعليم كعملية تلقين و اكتساب يكون الهدف منه إعداد و تهيئة العقل لإستقبال كم من المعارف و المعلومات، لأن خصائص العقل تتمثل في التلقي، التحكم، الإصدار، التخزين و التقرير إلى جانب وظائف أخرى. و هي عمليات يقوم بها العقل، و وظائف تحقق جوهره و قيمته، و بالحديث هنا عن وظائف التلقي، التخزين و الإصدار، كعمليات لها علاقة بالتعلم، فعقل المتعلم كبنية تفاعلية تطور نفسها و محيطها حسب قيمة و درجة تفاعلها مع هذا المحيط، في علاقة تأثر و تأثير بديهية ومنطقية بحكم اختلاف بنية الإنسان الدماغية عن باقي الموجودات، كبنية لا تتقيد بالتوجيه الغريزي فقط بل المتحكم الأكبر في العقل الإنساني الإدراك و الوعي. و بالحديث عن الوعي و الإدراك الذي يتطور انطلاقا من محيطة الداخلي ( فضاء الأسرة) و محيطه الخارجي ( المجتمع)، دون إغفال أهم مرحلة تعزز إدراكه و تصقل و توجه وعيه. إذ الفرد خلال تمدرسه في تفاعل مستمر و نشاط يزداد أو يقل حسب طرق تزويده بالمعلومات أو الإستجابات، أي درجة التشبع و الضيق، و هما العاملين الأساسين الذين يحددان أهمية التلقين و درجة تفاعل العقل مع ماهو ملقن، و إذا كان التعليم يعرف بتسهيل الإكتساب و الإستيعاب، فإن الإشكال المطروح يرتبط أساسا بالجدوى و الغاية من التلقين و حتى إن تحقق الإكتساب و الإستيعاب، فالمعلومات إذا وجدت آليات بيداغوجية كفيلة بنقل مضمون للمعلومات إلى عقل المتمدرس و مساعدته في تحويلها من شفرات مستعصية الفهم، مغيبة المغزى تحقق الشرط الأول من عملية التعلم و المتمثل في الإكتساب، نقل العقل من حالة الجهل إلى حالة العلم بالشيء، و هذا العلم بالشيء يتراوح بين الإستيعاب و التخزين من جهة، و الإستيعاب، التخزين و أيضا تطوير المخزون المعرفي من جهة ثانية. و ذلك من خلال عملية إنتاج المعرفة إنطلاقا من المعرفة المكتسبة و توظيف هذه المعرفة و منحها بعدها التطوري و النسقي ما دامت بنية غير سكونية تجدد و تتجدد، وذلك ما ذهب إليه مؤيدو النظرية الجشطلتية، الذين أكدوا على أن ظاهرة التعلم و ثيقة الصلة بالإدراك و من ثم فهم يعرفون التعلم على أنه "إعادة تنظيم الإدراك أو العالم السيكولوجي عند المتعلم" و ذلك ما يسمونه مجال المتعلم و حتى ليفن تحمس للنظرية الجشطلتية، من خلال نظريته المطورة و الداعمة "سيكولوجية القوى الموجهة أو علم النفس الطوبولوجي" فنظرية ليفن وغيره من أصحاب نظرية المجال فسروا التعلم على أنه زيادة في الإستبصار المعرفي عكس نظرية ثورندايك(3) الذي يؤكد على أن كل تعلم يؤدي ضرورة لزيادة في التعلم، ما قد يلغي وظيفة المعرفة المتحصل عليها من وراء التعلم و يجعل المعرفة بنية سكونية تنتقل في حالتها السكونية الظرفية( فترة التلقين) لتستقر في العقل بعد نجاح عملية التعلم و التي لا تكاد تكون حينها سوى عملية تعلم من أجل التعلم فقط. إذ المفاهيم التي تبناها الجشطلتيون و مؤيديهم عن الإستبصار المعرفي كانت لها دلالة كبيرة في التعلم الحركي الذي يدل على جوهر التعلم التطوري و النسقي، فالجشطلتيون عكس ثورندايك يرون أن جوهر التعلم يكمن في الإستبصار و الإدراك المباشر لمعنى الأشياء و الحاجة إلى إيجاد متعلمين قادرين على إعطاء الإستجابات الخلاقة و الهادفة.
إذا فالإختلاف بين نظريتي ثورندايك و الجشطلتيون، كان في اكتفاء الأول بالتركيز على ضبط أسس إنجاح التلقين و الإكتساب حتى يتحقق التعلم، بينما ذهب الفريق الآخر إلى تجاوز مفهوم التعلم المحصور في التلقين و إدراك الغاية المثلى من وراء التلقين و المتمثلة في تحقيق إدراك جوهر المعرفة الملقنة و تطويرها حتى تتحقق النسقية الوظيفية و التطورية للمعرفة كبنية غير سكونية، أي التعلم الذي يحقق الإستبصار و الوعي المعرفي لا التعلم من أجل تخزين المعرفة كرصيد مكتسب قابل للتوظيف في حالته التابثة الغير تطورية فقط خلال فترات الإمتحان و حل الظواهر المسعصية. فالإستبصار تحويل المعرفة بعد التعلم إلى معرفة منتجة للمعرفة و ذلك لا يتحقق إلا من خلال إدراك جوهر المعرفة من خلال التعلم الإدراكي و الإستبصاري لا التلقيني المنقول في صيغته الثابتة، كمثال بعض القواعد الجبرية يتلقاها المتعلم كصيغ تابثة تقبل التعويض من أجل الوصول لنتائج منطقية سليمة غالبا ما تكون أرقاما، و إن إدراك المتعلم لطرق توظيف القاعدة و استخلاص نتائج سليمة و منطقية في النهاية يعني أن مهمة التلقين هنا توقفت عند حدود تمكينه من آليات الصيغية الرياضياتية فتستقر في ذهنه على أنها صيغة رياضياتية لها ارتباط فقط بعلم الرياضيات، بينما يلغى الإستبصار المعرفي من خلال تقييد التعمق المعرفي لتكون الآليات الرياضياتية على سبيل الحصر لا التعميم قابلة للإسقاط في جل ميادين الحياة المعرفية لحل الظواهر المستعصية و النوازل العرضية.
إذا إدراك جوهر التعلم كغاية تتجاوز مفهوم تحقيق التوصيل المعرفي و جعل المتعلم مجرد حامل معرفي، يكمن في تطوير آليات التلقين حتى تصبح قادرة على ملامسة الجانب السيكولوجي الأكثر عمقا لدى المتعلم، لإبراز ملكاته و مواهبه حتى يتحقق ذلك الإنسجام المطلوب بين المعرفة الملقنة و قدراته الخلاقة من أجل تحقيق نسقية الحقل المعرفي و سيرورته.


بقلم : عبدو الكسيري الكوشي





tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: