ثقافة حرق الذات، والمتحول الإجتماعي.


 لما الحديث عن ثقافية السلم والأمن مع الذات و الآخر، بدل التعري المطلق لنكسة المتحول الإجتماعي العالمي (الحروب/ الانتحار/الإرهاب ...) ؟! .  إن الأمر الأكيد الذي نستوثق من صدقه في حياتنا الجماعية والفردية هو نسبة التحول بتمام محور الدائرة من تقديس ثقافة الحياة و الاحتفاء بها، إلى تمجيد ثقافة الموت الانفجارية، وحرق الذات البشرية. وهي الملاحظة الأكيدة من النقاش المنتعش حديثا، وهي كذلك فرضية مواكبة تهليل الأحياء بصنيع (حرق الذات ) عبر المواقع الاجتماعية و الإليكترونية. من تم اختلطت أوراق النمذجة السلمية ، وشق فهم أمر ضبط التحولات السلبية المتتالية، وإرساء البديل الركيز بمفاهيم الحرية والعدالة والكرامة الاجتماعية. فمصفوفة دوران حركة التموجات/ التقلبات الداخلية والعالمية المتوالية، تضغط بقوة التحدي على الذات البشرية الفردية والجماعية، ولا ملاذ للجميع من البحث عن موطئ قدم تحميه من زلة السقطة التامة المدوية . 
إن الإسناد إلى دراسة الخاصيات البيئة لكل مجتمع، هي العينة الضابطة التي تمكننا من القول بالوحدة المرجعية للثقافية العالمية، أو بتنافر الثقافات الكونية.  فالكشف عن تشكيلات البناء الثقافي في بعده الكوني  يحيل بالتمام على البيئة الاجتماعية المرجعية (الأولية /الذاتية )، ومدى مطابقتها للوعي الجماعي في حدود التعبير الإنساني / قاعدة الصدق والواقعية. أو كرد سلوكي/اجتماعي موحل في لغة التحدي بالرمزية (المعيارية/ التنظيرية) . وهذه الأخيرة هي منزلق الفجوة القاتلة بين الواقع الاجتماعي ، والصورة النمطية للإنسان المثالي (بمعنى :متزن في سلوكه ، رزين). 
 والجدير بالذكر أن الإفراط في بناء فكر معياري بمؤشرات تصل حد الطوباوية، أو استدعاء الماضي ليحكم ويتحكم في الحاضر، أمر يجانب فعل تحديث الثقافة التفاعلية مع الواقع المعيش، والظرفية التاريخية، والمرجعية البنائية (المفاهيم المعتمدة في تفاعل العلاقات الاجتماعية الداخلية). وكذلك -(الفكر المعياري)- يشوش وضعه بالإختلاف و الخلاف داخل البنية الاجتماعية الواحدة، مع النفاذ إلى المنظومة المتشعبة للمجموعة الكونية . وهذا ما يفرخ لنا انتعاش السلوكات السلبية المجانبة والقيم الانتحارية (القهرية للذات البشرية ).  لكن، لما يتم صياغة تسويغ وصفي لمرجعية (الحرق) ،واستخلاص تمجيد تضامني لثقافة الموت المزدهرة في ديار الإسلام؟.
لا نستغرب فالمواقع الاليكترونية والجرائد الورقية حافلة بالأحداث النارية، وتسابق واقعة إشعال النار في الجسد البشري. حيث لا يمكن الجزم أن ثقافة الموت بالحرق انطلقت شرارتها من تونس البوعزيزية ، بل المصادر التاريخية توثق لحالات ( كربلاء ) ماضية من الحرق الذاتي أو التعسفي. الآن ، البحث عن المسوغات الأولية للموت (الحرق) الطوعي كثيرة ومتعددة ، ولن نزكي أي زاوية منها مادام الاحتفاء بثقافة الحياة قائم . 
 فمن البديهي استصدار حكم قطعي بتجريم وتحريم مسألة ثقافة الموت حتى ولو كان حكم قيمة يوازي ويتابع بالإشهاد المواثيق الدينية والنصوص الوضعية . فلا توجد منطقة وسطى مابين الجنة والنار في إقرار سلطة الحق في الحياة . الحقيقة الصادمة هي التوقف بتمجيد وتقديس ثقافة الموت ، و تحنيط الجسد المحترق بأفكار وخطابات مكتوبة ومنقولة شفهيا كمومياء فرعونية شاهدة عن قتل النفس (الذات) بغير حق سوى للتعبير عن رفض الظلم والقهر و(الحكرة) . فيما يتم تناسي البحث عن الاحتفاء بثقافة الحياة ولو بالتفاؤل المستقبلي كعزيمة لأضعف الإيمان ،  إن المستقبل الذي ما يفتأ يجيء  نعرفه بالموت كحتمية نمتلك أسهمها في بورصة الحياة بالتساوي بيننا في خاتمة الواقعة.  بيد أن البحث عن التحول الإجتماعي الذي كرسته ثقافة (الإنتحار / الإنفجار/ إحراق الذات ...)  يتم تقديس فعله من طرف الأحياء لأسباب مرجعيتها تختصص بفئة معينة، ثم تتباين بالاختلاف من فئة لأخرى، حتى بمتم جرها إلى وسط مستنقع التجاذب السياسي.
الحرام بين، والحلال أبواب مقاصده التشريعية تضع النفس/ الذات كقيمة وجود سامية. قد لا نختلف في أن الحرية والكرامة والديمقراطية لا تمنح للرعية كصدقة وهبة مجانية ، بل النضال الجماعي هو من يوطن دولة الحق والقانون.  فالشعب هو من يحمي القانون ويدافع عنه بالحياة لا بالموت،  والشعب هو من يستمد قوة مطالبه العادلة من خلال الدفع بالدولة ولو بعمقها إلى تطبيق القانون بمواصفاته العادلة الديمقراطية.
أما إن كانت الردة المواكبة لفعل قتل النفس (الذات ) ، هي السعي إلى تقديسها و الاحتفاء (العاشورائي) بالذات القتيلة، فإن ذلك التجاوز يربي جيلا يستبيح قتل نفسه (ذاته) ، ولما حلية قتل الآخر...هذه هي النكسة الحقيقية التي نعيش لحظتها الفكرية والتطبيقية والتنظيرية، ولا زلنا نطوف حول حلقاتها بالبحث عن منفذ الإغاثة  .
 الخلاف في الطرح المفاهيمي الأولي يمكن متتبع التحليل من وضع يد البحث عن البدائل كتوصيات في ظل القهر و(الحكرة ) الممارسة على الشريحة الاجتماعية الواسعة من الشعب . لا نبتغي تكريس الوضع الراهن من فساد / ظلم / انسداد الأفق المستقبلي. ولكن نرفض اتخاذ  موقف تشجيع حرق النفس ، نرفض الاستسلام للموت (الحرق) بمحض الإرادة (الطوعية المهزومة) ، فما دام التفكير في ترصيص الإصلاح الديمقراطي قائم ...
  فوجود الذات الإنسانية وفق مثلث العدل /الكرامة / الديمقراطية، استوجب التفكير في إرساء حكامة مطلقة تحكم العلاقات والأفعال،  فعندما تم تداول سؤال تعريف الانتحار (بالحرق مثلا) ، لم نجد بدا من القول بأنه أشجع قرار يتخذه الإنسان قيد حياته ، فلما لا يكون العمل النضالي الحقوقي أشجع قرار سلوكي وحضاري للدفاع عن مبادئ الديمقراطية وتوطينها بالقانون  . 
 لحد الآن، تمت الإطالة في الحديث عن ثقافة الموت، وتم إهمال  ثقافة الحياة ،لا أخفيكم سرا فآنسداد أفق الوضع الإجتماعي، وآختناق نمط التعايش السلمي - (مع الذات والآخر) - بالتدني المعرفي/الثقافي / الاقتصادي ، فضلا عن التمييع السياسي ، وتموقع الفساد وقوفا مضادا للحكامة.  كل ما قيل وما يجب أن يقال هو ما همش ذكر من يجب الاحتفاء به كرمز لثقافة الحياة .
فهل نحن نصطاد في مياه عكرة لثقافة الموت (حرق الذات)؟ أم مياه نقية لثقافة الاحتفاء بالحياة ؟ فصدق القول، أن فواصل المرجعيات الثقافية اختلطت علينا ألوانها بين ثقافة تنظيرية، وثقافة اجتماعية سائدة بقوة التداول والاعتقاد والممارسة.  وأشكل علينا شمل ثقافة الموت بالمنع و التنديد الجماعي، بمقابل إرساء تمجيدي لثقافة الحياة، بالمساندة والدعم النضالي .
ذ محسن الأكرمين : mohsineelak@gmail.com






tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: