إن من بين المشاكل و التحديات التي تواجه التعليم في المغرب، مسألة تعلم اللغات الأجنبية و على رأسها مشكل تعلم اللغة الفرنسية بالدرجة الأولى متبوعة بباقي اللغات الأجنبية مرتبة حسب أهميتها من حيث الإستعمال في مجالات عدة، و أيضا التواصل بها ، دون إغفال حجم الصعوبات التي تحول دون تمكن أغلبية المتمدرسين من تعلمها و إتقانها.
و للوقوف على هذه الصعوبات يتطلب الأمر الإلمام بجل الحيثيات الظاهر منها و الخفي، و التي تعترض المتمدرس منذ أول حصة له في اللغة الأجنبية المدرسة.

*الصعوبات الخفية: مما لا شك فيه أن الهاجس الرئيسي حين يصبح الطفل مؤهلا للإلتحاق بالمدرسة، ينصب بالأساس على مدى قدرته في تعلم القراءة و الكتابة، لأن الإعتماد على هذين الأمرين الأساسيين، يعني سهولة تلقينه و سلاسة تعلمه، فالأكيد أن مستوى الطفل التعليمي يتحدد بتماسك الأساس و صلابته، و التعليم الأولي مرحلة مهمة و ضرورية للإلتحاق بباقي المراحل التعليمية اللاحقة دون مشاكل أو عقبات إذ المتمدرس خلالها يزود بأهم الآليات التي تمكنه من التواصل، الفهم، التفسير، التحليل و أيضا التوصيل. و بالتالي يجد سهولة في التأقلم مع المراحل التعليمية اللاحقة بشكل جيد ما دام يستند و يعتمد على آليات تمكنه من ذلك و المتمثلة في القراءة، الكتابة، و التمكن من توظيف المعاني في نفس السياق و دون الإخلال بنسقية البناء لغويا و نحويا، و بالتالي القدرة على صياغة المعطيات و المعلومات المتحصل عليها و فهم جوهر و خبايا كل خطاب، كان أدبيا أو علميا، أرقما، رموزا، أو حتى معطيات لها دلالة كمية أو نوعية.
لذلك يكون التركيز في مراحل التعليم الأولى على مسألة اللغة من حيث إدراك أبجديات الربط بين الرموز اللغوية و إدراك آليات هذا الربط لإستخلاص الدلالات اللغوية و استنباط المعاني، من خلال تعلم( حروف،أسماء، تكوين الجمل،...) حيث تقتصر السنة الأولى و الثانية من التعليم الإبتدائي في المدارس العمومية على تعليم أبجديات القراءة و الكتابة فيما يتعلق باللغة العربية فقط، بينما ينطلق تعليم اللغة الفرنسية في المستوى الثالث إبتدائي، و ما لا يتم الإنتباه إليه هنا أن الفارق الزمني بين مرحلتي تعلم لغتين تختلفان من حيث الشكل، المضمون و حتى النطق، يكون له الأثر البالغ خصوصا لدى الفئات المتمدرسة التي تجد صعوبة حتى في السنتين التعليميتين الأولى و الثانية،. و لا تتأقلم مع آليات التلقين الأولية للغة العربية، فتكون حينها لم تبلغ بعد عتبة الإكتساب ذي الدرجة المتوسطة. أي أن النقص الحاصل في آليات التمكن من اللغة العربية قراءة و كتابة، يتعزز بمرحلة جديدة تنطلق خلال السنة الثالثة إبتدائي حين يجد المتمدرس نفسه أمام أسلوب تلقيني مماثل للسابق لكن الأبجديات هنا تختلف كليا، فالحروف، الجمل، و مسألة النطق مغايرة لتلك التي عهدها خلال تعلم أبجديات اللغة العربية قراءة و كتابة في سنوات علمه الأولى. و بالتالي يجد التلاميذ أنفسهم أمام مشكلة تغير الرموز اللغوية( الأحرف) و إختلاف معاني الكلمات و أيضا سياقاتها.
و أمام هذا الفارق الزمني المقدر بسنتين يجد المتمدرسون المتعثرون سلفا في تعلم اللغة العربية، أنفسهم أمام إكراه تحصيلي من نوع جديد بنفس الآليات التي استحال عليهم إدراكها مع إختلاف شكل و مضمون المادة الملقنة هنا، فيكون من الصعب تدارك مواطن الخلل بين المرحلتين بحكم اللاتوازن الإستيعابي و المواكباتي الذي تخلفه الفترة الزمنية بين تعلم اللغتين، و أمام هذا المعطى يجد أغلب الملقنين أنفسهم أمام إكراه، يتمثل في محاولة تدارك مواطن الخلل من خلال الوقوف على مسببات عجز مجموعة من المتمدرسين عن مواكبة التعلم رغم آليات التلقين المتمرسة.
و أمام الفشل في تصحيح و تعديل مواطن الخلل هذه في أغلب الحالات خصوصا أمام الضغط الذي يتعرض له دماغ المتمدرس، من خلال محاولات إعادة تمكينه من آليات ضبط و إستيعاب لغتين تختلفان عن بعضيهما كليا، يسقطه في حالة ضيق لأنه تعرض لمثيرات بوثيرة كبيرة و متكررة. و التكرار هنا يقصد به محاولات تدارك و تصحيح الإعتلالات في تعلم اللغة العربية من خلال حصص دعم و تقوية و أيضا بلوغ المستوى الثالث أولي، بحمولة زائدة من الإختلالات الموروثة عن مرحلة تعلم اللغة العربية في السنتين الأولى و الثانية، و الدخول في مرحلة تلقينية جديدة من حيث المادة التعليمية و طرق تلقينها و إن ارتبط موضوعها باللغة و التي تختلف عن سابقتها( اللغة العربية) شكلا و مضمونا.
و بالتطرق لمفهومي المعنى و السياق بإعتبارهما من أهم التحديات التي لا زالت تقف عقبة أمام أصحاب النظريات الحديثة في التعلم. 
إذ استخدام المعنى أو بالأحرى تطبيق المعاني عن طريق اللغة مشكلة ظلت قائمة بالنسبة لجل النظريات المختلفة بخصوص التعلم باستمرار. إذ أهمية المعنى أو الدلالة في اللغة له أهميته البالغة، و الإختلاف هنا بين المعاني و طرق تأويلها عن طريق تحويلها إلى رموز دلالية أو حروف بين اللغتين، يتوجب التعامل معه بكثير من التمرس و الحرص. و بالتالي الفارق الزمني في إنطلاق آليات تلقين لغتين مختلفتين من حيث الرموز الدلالية( الكلمات(، المعاني و أيضا السياق، له أثره البالغ في تحديد درجة التعلم و المواكبة من عدمه خصوصا لدى الفئات التي تجد صعوبات في مواكبة التلقين و وليست لديها و لديها القدرة على التحصيل الجيد و التام.
...يتبع 

بقلم عبدو الكسيري الكوشي






tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: