الإعلام في خدمة التربية 

فيلم « القسم8 » نموذج لطرح الإشكالات وتوجيه المكونات

قدمت القناة الثانية لمرات عديدة الفيلم التلفزيوني " القسم 8 "  لمخرجه جمال  بلمجدوب ، وهو  من أهم الأفلام التي أنتجتها القناة الثانية  ، حيث تميز بمعالجته لقضية تربوية مع استغلاله لفضاءات المدرسة بمختلف مكوناتها :  الفصل الدراسي،الإدارة ، المرافق الصحية ، الساحة ، الأبواب...
من الناحية السوسيولوجية تطرق هذا الفيلم لأهم وأخطر الظواهر الاجتماعية (العنف ، الانحلال ، التمرد ) التي تهدد المدرسة الوطنية وجل مكوناتها البشرية.
 ومن الناحية السيكوبيداغوجية يمكن القول أن انجاز وعرض مثل هذه الأفلام سيساهم بلا شك في توفير المزيد من وسائل الدعم وإمكانات التأقلم مع واقع المؤسسة التعليمية عبر مختلف مراحل  نمو الطفل / المتعلم ، وتلك المساهمة تتأتى عبر تمكين الأسرة من نظرة حقيقية  لواقع الممارسة التربوية داخل المدرسة و لمعانات الأطر الإدارية والتربوية في معالجة سلوكات سلبية قد لا يكونوا مسؤولين عن إنتاجها وحتى إذا كان لهم اليد في حالات منها فمسؤولية المعالجة ترمى على عاتقهم كاملة ، مما يحولهم أحيانا من معالجين/ مساعدين على الخروج من دوامة اليأس إلى ضحايا مرميين على أسرة المستشفيات كما وقع مع الأستاذة ليلى بطلة الفيلم.
وقد أراد المخرج في بداية فيلمه إبراز السعادة الكبرى التي تغمر الأستاذة المنتقلة حديثا إلى الثانوية  وهي تستعد للقاء تلامذتها بكل حماس وحيوية ورغبة في عطاء أفضل وتواصل أكبر ... لكن سرعان ما سيتحول كل ذالك إلى إحباط شديد بسبب عدوانية تلميذين وتمردهما على كل ما له صلة بالمدرسة ، من  حارس، تلاميذ ، جدران ، محفظة ، أساتذة ، بل حتى قبعة العون لم تسلم من ذلك.
التلميذان حاولا عرقلة الفعل التربوي داخل القسم على خلفية أنهما "ماشي ديال القراية"، وتدخلوا في كل مرة بعبارات و سلوكات بعيدة كل البعد عن أخلاقيات الفصل الدراسي ولا تمت بصلة للعلاقة البيداغوجية التي تربط المدرس والتلميذ ، لقد  حولا حياة الأستاذة إلى جحيم ، مما أدى إلى إصابتها بانهيار عصبي نقلت على إثره إلى مصحة.  
 الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي أطرت تنشئة  "مجيد" وهو المشاغب القائد ، جعلت منه إنسانا منحرفا وعدوانيا ، فالأب مقعد والأسرة ضعيفة الدخل وتقطن حيا صفيحيا ، والطفل/ المراهق مهمل ، مما جعله عرضة للشارع ، حيث أصبح يفرغ مكبوتا ته ويصب جام غضبه على المجتمع بمخنلف مكوناته ، ويتناول المخدرات ويسرق ، وأحيانا يقوم باعتداءات مجانية أي بدون حصوله على مقابل ، وفي ذلك تعبير واضح على أنه في قمة السخط والتمرد .
 حالة ميلود وهو الصديق المخلص ل "مجيد" مختلفة كلية ، فظروفه  الاقتصادية مريحة ، لكن غياب الأب جعل منه إنسانا معرضا للتأثيرات الخارجية، سلبية كانت أم ايجابية، حيث كان مستهلكا بامتياز لسلوكات صديقه القائد دون معرفة النتيجة من ذلك ، والدليل على ذلك هو أنه مجرد ما تعرض لضغط ايجابي من طرف عناصر القسم انضم إليهم راغبا في التعلم ومسايرة توجيهات الأستاذة ومتخليا عن صديق السوء ، هذا الأخير تخلى بدوره في النهاية عن تمرده وانتقامه والتحق بالمجموعة  ، والفضل في ذالك يعود أولا للتلاميذ زملاء الفصل وللأستاذة التي وضحت له ظروف الآخرين وحتى ظروفها الشخصية :  تقاسم حالات الفقر واليتم والحرمان ...
الأكيد، أن الفيلم  من جهة، شخص بعض الحالات و الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي  تساهم في انحراف التلاميذ عن مسارهم الصحيح لكن من جهة أخرى أعطى صورة لتلاميذ آخرين تعرضوا لنفس الظروف و لكنهم ساروا على الطريق الصحيح وتمسكوا بأخلاقهم وتمدرسهم ، ودون شك فالفضل في الفرق يعود لتوجيهات إضافية.
في نهاية الفيلم قدم المخرج صورة جيدة عن الانسجام الذي حصل داخل الفصل الدراسي وعن الرغبة التي تملكت الجميع  في التعلم والإسهام في الأنشطة ، لكن الحلول التربوية التي عالج بها سلوكات التلميذين يبدو أنها دخلت بشكل أو بآخر في خانة "المتجاوز" ، فحصر العناصر المتدخلة لمعالجة الظاهرة في التلاميذ والأستاذة ، أكيد فيه نوع من التناقض مع التربية الحديثة ولا علاقة تربطه بالمدرسة الجديدة المنفتحة والتي تضم خلايا ومجالس وجمعيات وشبكات للدعم والتعاون والبحث والمعالجة ، والتي من المفروض أن تدخل في حوار و تواصل عميقين  مع الأسرة والمجتمع  والمساعدين النفسيين والاجتماعيين والمنشطين... .كما أن ردة الفعل التي صورها المخرج للمدير بعد طرد الأستاذة  للتلميذين من الفصل أكيد أنها مستوحاة من إدارة مدرسية قديمة سلطوية تركز في خطابها الجاف على الحق والواجب دون توظيف الجانب الوجداني والبحث مع الشركاء والمجالس عن حلول تربوية نابعة من عمق سيكوسوسيولوجي محض .
الأكيد أن فيلم "القسم 8" قدم إضافات واضحة للشركاء و المساهمين في الفعل التربوي وخصوصا للذين يجهلون حقيقة ما أصبح يدور في مؤسساتنا التربوية من عنف رمزي ومادي وتمرد على النظام الداخلي للمدرسة.
والمؤكد أن الإعلام أصبح سندا مهما وقويا للنهوض بالتربية والتكوين ، فمن خلاله يمكن للأسرة والمجتمع التعرف أكثر على أدوات وخطوات الدعم الفعلي للمدرسة ، كما يمكن استغلاله كقناة مهمة للتواصل الغير مباشر بين الشركاء والفاعلين التربويين والأسرة للتوجيه ولفهم الواجب والمسؤولية  (في انتظار تكثيف التواصل المباشر الذي يجهل البعض قنواته وأسسه، ومهمة توضيح هذا التواصل هي الأولى المنتظرة من الإعلام إلى جانب الأطر الإدارية والتربوية).
إن الإعلام هو الوسيلة الناجعة المعول عليها لشرح الاستراتيجيات و التوجهات التربوية الحديثة حتى لا تذهب سدا في وجود قنوات سوسيولوجية موصدة وغير مستجيبة ، وفي غياب تتبع ومرافقة الآباء لأبنائهم واكتفائهم بإلقاء المسؤولية واللوم في نفس الوقت على المدرسة.
والإعلام أيضا وبحكم تمكنه من دخول كل البيوت باستطاعته استغلال هذه الخاصية لتمكين الأسرة والمجتمع من أدوات التنشئة السليمة ، وتوظيف الوقت الثاني للطفل وإعداده  لولوج المدرسة مع المسايرة والتوجيه الصحيحين.

عبدالنبي الفايق ــ باحث تربوي ــ سيدي قاسم






tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: