الشراكة بقطاع التربية والتكوين
يعرف نظام التربية والتكوين بالمغرب مرحلة جديدة تحكمها فلسفة الشراكة والاستشارة والابداع والمبادرة ، وفي ذلك تأكيد على أن قضية التعليم لم تعد تهم فقط وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني ، بل أصبحت تتعدى ذلك إلى كل القطاعات الحكومية والهيآت والمؤسسات بمختلف أشكالها وألوانها ، وإلى كل الأشخاص بمختلف أعمارهم ومواقعهمم داخل المجتمع المغربي وخارجه .
وهذا التوجه لا يمكن إدراجه في خانة الإخفاق والتراجع والسعي إلى رمي الكرة في سلة الآخرين وتعليق الفشل عليهم ، بل هو يندرج في إطار الإقتناع واللإيمان بأن مممارسة الفعل التربوي اليوم أصبحت تتطلب جهودا أكبر وباتت تهم قطاعات أوسع ، إضافة إلى أن الرغبة في مسايرة التحولات العالية التي يعرفها قطاع التربية والتكوين تقتضي وسائلا وفضاءات وأطرا تتعدى تلك المتوفرة في وزارة واحدة ومؤسسة منفردة ... ومن تم أصبحت أدوار الشركاء والمتدخلين ضرورة لإنجاح عملية التربية والتكوين والقيام بمهمة الإصلاح بشكل جدي وفعال.

شركاء المدرسة :
إن وزارة التربية الوطنية كجهاز مركزي والأكادميات والمديريات والمدارس الوطنية كمؤسسات جهوية لم تعد قادرة على تحمل مسؤوليات التربية والتكوين لوحدها, وليس في ذالك تملص أو استسلام بل قناعة تولدت لدى المسؤولين : بأن خدمة و ازدهار التربية والتكوين أصبحت تقتضي إشراك أفراد وجماعات وهيآت المجتمع المغربي ككل ودون استثناء .
فمن جانب المؤسسات والهيآت : فالتركيز على الجماعات الترابية يأتي على رأس القائمة ، لما لتلك المؤسسات المنتخبة من ارتباط بالمجتمع وبالوسط المدرسي ، وكذا لكون الجماعات الترابية ، لربما المؤسسة الوحيدة المتواجدة بشكل شامل إلى جانب المدرسة خصوصا بالمناطق النائية ، فلقد مكن الميثاق الوطني للتربية والتكوين ومختلف المرجعيات التربوية الجماعات الترابية من حق التوجيه والتأطير وكذا من حق الدعم المادي ، وفي مقابل ذلك ألزمها الوعي بالدور الحاسم للتربية والتكوين في إعداد النشئ للحياة العملية  والمعونة التطوعية والتفاني في العمل والعناية بالمؤسسات التربوية الجهوية والجماعية .
وإلى جانب الجماعات الترابية، نجد على قائمة لائحة الشركاء جمعيات المجتمع المدني التي أبانت عن قدرات ومؤهلات كبيرة في مجال دعم المدرسة الوطنية ، حيث استطاعت تقديم الدعم المادي والمعنوي كما تمكنت من  التعاقد مع مؤسسات وطنية ودولية للاستثمار في المدرسة دون استحظار أي هاجس للربح ، فمن تجهيز الداخليات ودور الطالب إلى جلب الكتب والأدوات المدرسية مرورا عبر إصلاح وبناء الحجرات الدراسية ، تجد تلك الجمعيات المواطنة تخطط وتجتهد لتحمل جزء من المسؤولية التربوية ، ولعل ما يحتاجه بعضها هو إنفتاح الأطر المكلفة بإدارة المؤسسات التعليمية لتحسيسها بأهمية أدوارها داخل المدرسة ولجلبها من أجل توظيف الطاقات والبرامج ، بل الأكثر من ذلك أن الأطر المدبرة للمؤسسات التعليمية عليها اليوم التركيز الجمعيات التربوية الوطنية والدولية لنقل الخبرات والتجارب .
كما أنه من المؤسسات الفاعلة في الحقل التربوي نجد الهيآت النقابية والسياسية ، فبأطرها و تنظيماتها الموازية وإمكاناتها المادية والبشرية تستطيع أن تسهم في محاربة الأمية والهدر المدرسي والرفع من جودة الفعل التربوي ونشر الوعي لدى أفراد المجتمع ومحيط المؤسسة التعليمية و جلب الدعم المادي وتطوير التكوين المستمر للأطر العاملة بحقل التربية والتكوين .
أما باقي القطاعات الحكومية، من صحة، تجهيز، داخلية، بيئة، أوقاف... فكيف للمؤسسات التربوية أن تقوم بأدوارها وتحقق أهدافها إذا لم تقم مثلا وزارة التجهيز بتهييء المسالك والطرقات التي تفك العزلة عن المدرسة ، و إن لم تقم الوزارة المكلفة بالطاقة والماء والبيئة بربط الوسط التربوي بالماء الصالح للشرب والكهرباء ومختلف أدوات التواصل والتكنولوجيا ، فالتنمية أصبحت تتطلب رؤية شمولية ومجهودات مكثفة .
وبخصوص المقاولات والفعاليات الاقتصادية فتبقى أدوارهم من أهم الركائز الأساسية للنهوض بقطاع التربية والتكوين ، لما باتت تتطلبه الممارسة التربوية الحديثة من إمكانات ووسائل مكلفة ، ولما يفرضه الواقع الحالي من ضعف في البنيات التحتية ونقص في الموارد المالية ، ومن تم فالمؤسسات التربوية في حاجة إلى كل دفعة مادية وإلى كل وسيلة أو تجهيز يساهم في إنجاح العملية التعليمية .
ولعل واقع الممارسة التربوية ومتطلباتها يؤكد أن الفعاليات المساهمة في النهوض بالمدرسة لم تقتصر على المؤسسات والقطاعات والجمعيات ، بل يتعدى ذلك إلى الأفراد كل من موقعه وحسب إمكاناته ، فالأطباء يساهمون في الحفاظ على وضع صحي للمتعلمين من الناحية العضوية والنفسية ، والفنانون والمبدعون يرفعون من مستوى المتعلمين في الرسم والمسرح و الموسيقى وغيرها من مجالات الإبداع ، و المتخصص في مجال المعلومات والإتصال لابد أن يلعب دور المؤطر لدعم الأنشطة التكنولوجية للمدرسة ، أما مسؤولوا ومؤطروا الأندية الثقافية والرياضية والإجتماعية فلهم دور كبير في تكوين شخصية المتعلم والرفع من مستوى قابلية التعلم وتحبيب الأنشطة الموازية ، وكذلك الأمر بالنسبة لصاحب الحافلة أو العربة فله دور كبير في النهوض بمستوى التمدرس عبر الإسهام في نقل التلاميذ خصوصا أولائك الذين لم يستفيذوا بعد من مشاريع النقل المدرسي ، فالوزارة الوصية غير قادرة على توفير النقل المدرسي للجميع رغم تكاثف جهودها بشراكة مع المؤسسات الحكومية والمدنية المهتم بالنقل .
بالإضافة إلى ذلك ، نجد الحرفي ، الفلاح ، التاجر  وإمام المسجد ... كل تلك الفآت مادامت تمتلك خبرات وقيم ومعارف ومهارات تساهم من خلالها في بناء المجتمع فهي تمتلك  كذلك القدرة على إكسابها للأفراد المتعلمين ومن تم تأهيلهم للإندماج في الحياة العملية عل غرار أسلافهم ، فمتعلم اليوم هو بالتأكيد عامل وإطار الغد القادر على الإسهام في نهضة 
الوطن .
وإلى جانب الأفراد والمؤسسات والهيآت المذكرو تبقى لائحة الشركاء مفتوحة وقابلة لضم كل من مكنته مواطنته وغيرته من دعم المدرسة الوطنية بخبراته وممارساته وإمكاناته .
لماذ الشراكة :
سعت وزارة التربية الوطنية منذ أولى عمليات الإصلاح التي انطلقت مع بداية الألفية الجديدة إلى البحث عن شركاء ليس لتأتيث الفضاءات والظهور بواجهات ذات اختصاصات متعددة ، بل أرادت من تلك الشراكات التوريط الإيجابي لكل الجهات والمؤسسات في تتبع العملية التربوية والتحسيس بالمسؤولية اتجاه قضية تعتبر الثانية من حيث الأولويات، بعد الوحدة الترابية .
وبعد أن أدرك المواطن المغربي أن مشاكل المدرسة في حاجة إلى تفكير جماعي ، وبعد أن تعددت المبادرات وتظافرت الجهود وتطورت الخدمات ، بعد هذا وذاك ، أصبحنا نسجل بشكل إيجابي الوعي المجتمعي بضرورة دعم المدرسة بمختلف الوسائل والإمكانات ومن كل الزوايا والبنيات ، وفي ذلك فهم صحيح لمسألة الشراكة و استيعاب فكري كبير للقضايا الوطنية ذات الأولوية ، وفي مقابل ذلك ، وللأسف الشديد ، عملت فئة أخرى من المجتمع على ربط مسألة الشراكة والإشراك، فقط، بتقاسم السلط والأوامر والنواهي والتوبيخ والتأديب ، وفي ذلك فهم خاطئ قد يؤدي إلى انزلاقات تؤثر إن لم نقل تنسف العمل التربوي ، والحالات في ذلك متعددة ، ولعل ابسطها حالة ذلك المستشار الجماعي الذي ضغط وتدخل بكل ما أوتي من قوة بنية إجبار أستاذة على الانتقال إلى وحدة مدرسية مستحدثة دون اللجوء إلى الإدارة التربوية أو طرح المشكل عبر قنوات مجالس المؤسسة والمصالح اللإقليمية ،  بل إن المستشار المعلوم بدأ في منع الأستاذة من ولوج القسم كل يوم ، وفي ذلك تسيب وفهم خاطئ للمسؤولية والإختصاص .
 وفي حالة أخرى أشد غرابة ، وبينما كانت إحدى المدرسات منشغلة بأنشطتها داخل الفصل الدراسي دخل عليها عضو جمعية الآباء وبدأ في إعادة ترتيب صفوف التلاميذ ، مبررا ذلك بكون التلاميذ أصحاب النظارات الطبية يجب أن يجلسوا في الصفوف الأمامية ، وفي حقيقة الأمر فإبن العضو المذكور يحمل نظارة وهو يجلس في المقعد الثاني ، وذلك ما لم يرقه ودفعه لسلوك شاد، في حين أن مبرر الأستاذة يعود إلى كونها أثناء دراسة بعض الجوانب الصحية للتلاميذ اكتشفت أن هناك تلاميذ ضعاف البصرو لم يتمكنوا من الحصول على نظارات طبية ، وهم في حاجة إلى الجلوس في المقاعد الأمامية أكثر من غيرهم من المحظوظين .
هذه الحالة الأخيرة تجسد لنا حالة من الفهم الخاطئ للشراكة في مجال التربية والتكوين ، فالأستاذة مارست اختصاصاتها في ترتيب صفوف القسم ، في حين أن عضو الجمعية يتجاوز كل المسؤولين لصنع تدخل همجي في شأن تربوي و بتغييب كل القنوات والمؤسسات .
شروط مهمة لنشر ثقافة الشراكة :
تعتبر وزارة التربية الوطنية بأكاديمياتها وإداراتها الجهوية والإقليمية والمحلية المسؤول الأول عن قطاع التربية والتكوين ، وهي مسؤولة أيضا عن البحث عن شركاء للمدرسة بهدف توسيع دائرة التدخلات والإسهامات في الحقل التربوي ، لذلك وجب الرفع من درجات التواصل والوعي وترسيخ ثقافة الشراكة والإشراك ، وذلك عبر التركيز على وسائل الإعلام لشرح الأدوار الهامة للفاعلين الجدد بالحقل التربوي ، كما أنه على الأجهزة الإدارية بالتربية والتكوين مسؤولية التواصل عبر خلق خلايا لجلب الدعم المادي والمعنوي ، وأيضا، على الأطر الإدارية الإنفتاح على محيط المؤسسات التعليمية وتجسيد فلسفة الشراكة والإشراك وإطلاع جميع مكونات المجتمع بالأدوار المتكاملة للرفع من شأن المدرسة الوطنية .
ذ . عبد النبي الفايق







tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: