044 حراسة البكالوريا
مهمة صعبة ثقيلة ينفر منها كثيرون و يعتبرها آخرون من أَمَضِّ و أقبحِ أيام السنة الدراسية كلها ، تكليفٌ و أمانةٌ على عاتق ممارس التدريس و مهمة تربوية انقرض أو كاد هذا الجانب منها، استشرى هاجس الغش فأصبح محورَها الرئيسي و غاص المنظرون لها في الجوانب التقنية و التنظيمية و الإدارية، و الإجراءات التأديبية  الزجرية دون الوصول إلى لبّ الموضوع و جوهره و دون حتى التمكن من ضبط و إنجاح ما غاصوا من أجله إلا في بعض مظاهره الخارجية السطحية.
* * استشرى جانب الغش و أصبحت أساليبه تتطوّر و تتجدّد بوثيرة كبيرة وصلت لحد تسريب المواضيع على نطاق واسع، حتّى أصبح القيّمون على تنظيم الامتحانات و حراستها يكادون يعتبرون الجميع متهمين إلى أن تثبت براءتهم، و هذا في حدّ ذاته خلل في التنظيم و الهيكلة و الرؤية الشمولية العادلة و بالتالي في المنظومة التربوية ككلّ لأن المفروض هو العكس، و قد فصّلنا في جانب الغش في المقال 20 الذي عنوانه " الغش " في جوانبه العامة و تغلغله في مناحي كثيرة و تقبّله من كثيرين كردّ فعل عما يعايشونه من تناقضات و مظالم.
* * يواجه الممارس للتدريس أسبوعَ الحراسةِ بعد أن خاض سنة دراسية منهكة، و يكون هذا الاسبوع ( يتبعه آخر في الدورة الاستدراكية ) في شهر يتّسم بالحرارة المرتفعة، و تكون ساعات الحراسة طويلة و قد تشمل حصتين أو أكثر في اليوم دون وسائل مريحة مساعدة، كل هذا في ظلّ جوّ مشحون مكهرب و نفسية مضطربة لدى أغلب المتدخلين ممّا يتطلّب استعدادا خاصاً و نَفَساً احترافياً و سعَة صدْر و تحمّل كبيرين، و يقظةً و حذراً في التعامل مع الأحداث و المستجدات و الوثائق الإدارية و أوراق التحرير و التسويد و مواضيع الموادّ، و إحاطةً بالمذكرات و القوانين المرتبطة بإجراءات الحراسة و المراقبة و المداومة و غيرها، لأن أخطاء تبدو صغيرة أو هامشية قد تكون لها عواقب وخيمة و غير متوقّعة.
* * يتكلّف بالحراسة مراقبان في كل قاعة، يكون الانسجام بينهما في العمل مساعداً، و التنافر مشكلاً، و الحديث الثنائي مزعجاً، و الاتكال و التواكل لأحدهما على الآخر تقصيراً في الأمانة و شذوذاً عن أخلاق المهنة.
* * التعامل مع الممتحَنين يتطلب خبرةً و حذراً و حيلةً و بُعْداً عن الأحكام الجاهزة و الاتهام المجاني و العبارات المستفزة و الكلام الكثير و الجدال العقيم و الضغط النفسي و التجوال الكثير بين الصفوف، وقد أفضنا و تطرقنا لهذا و لغيره في المقال 18 بعنوان " حراسة الفروض "، يبقى أنّ نوعية الممتحنين و طريقة التفاعل معهم تختلف بين المُمَدرسين و الأحرار و الذين سبق تدريسهم، حيث لكلٍّ ما يلائمه و يناسبه.
* * يتداخل عند المكلّف بالحراسة جوانب تكافؤ الفرص و ظروف التعلم و قساوة بعض المناهج و صعوبتها و القيام بالواجب و الضمير المهني و الوازع الأخلاقي و الديني و رسالة المربّي و شجاعة القيّم على العدل و التخوف من الانتقام و الابتعاد عن المشاكل و سريان الغش في كثير من الأوردة و الشرايين و التعب و ظروف العمل الصعبة و غياب الحماية الحقيقية و غياب الجانب التربوي و غياب التعويضات، تتداخل كل هذه الجوانب و غيرها بنسب متفاوتة و تؤثر في تدخله في الحراسة و شكل تسييره لها و ينبني لديه تصور ينعكس نمطاً و نموذجاً في التفاعل مع الأحداث و المعطيات سلباً أو إيجاباً و هي التي تجعل أيام الحراسة شاقّةً و عسيرةً في ممارستها و في انعكاساتها النفسية كما أسلفنا القول.

إن نمط الامتحانات و طريقة إدارتها و نوعية مضامينها و وسائل و تقنيات حراستها و تأطيرها و تنظيمها تتطلب إعادة هيكلة شمولية في المضمون و زاوية الرؤية، تراعي التطورات المتسارعة في المجالات المختلفة بما فيها بنية المجتمع، و تعطي الأدوار الصحيحة للجميع و يكون تحكّمها و ضبطها و عدالتها كفيلةً بجعل الزجر و العقوبة علاجاً وقائياً رادعاً للآخرين و حمايةً لأصحاب الضمائر الحية.






tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: