045 الذاكرة و الحفظ
مَلَكَتانِ منفصلتان لكنّهما منسجمتان، ضروريتان للمعلّم و للمتعلم، كانتا و لا تزالان من ركائز التعلم الناجح و التبحّر الأصيل الغزير في مجالات العلوم و ضبط تفاصيل المعلومات و حُسْن استحضارها و التصرّف فيها، تساعدان على بناء قوّة الملاحظة و سرعة البديهة و جرأة الإقدام و المبادرة، تغنيان نسبياً عن الارتباط اللّصيق بالمراجع و تتيحان حرية أكبر في التصرف و تعطيان نفَسَاً و طلاقةً في الاسترسال و الارتجال و الإلقاء.
* كان التدرّج على الحفظ الكثيف في سنوات الدراسة الأولى عاملاً على تقوية الذاكرة و تنشيطها و زيادة قدرة الاستيعاب و سعته و هذا كان من مكامن قوة التعلم في المناهج القديمة و وسيلةً للنقش الرّصين للمعارف و العلوم، إلا أن ذلك بدأ يقلّ و يضمحلّ مع فلسفة المناهج الجديدة القائمة على تنشيط الفهم و استعمال المراجع و الرجوع إليها، و هذا أدّى إلى ضُعفٍ شبه عام أصاب ملكة الذاكرة عند كثيرين و أصاب كذلك القدرة على الحفظ و على تخزينٍ رشيد للمعلومات، يُضاف إلى ذلك تشتّت الانتباه و قلة التركيز و هذا فصّلنا في جوانب منه في المقال 42.
* يحتاج الممارس للتدريس لذاكرة قوية حاضرة منظّمة جاهزة: تفيده في النجاح في ضبط القسم و في إلقاء الدروس و شرحها و في التفاعل مع الطارئ و غير المتوقّع، و في التعرف على التلاميذ و أسمائهم و أحوالهم و مستواهم و شخصياتهم. و هناك تقنيات للتمكن من ذلك و تيسيره كربط اسم التلميذ بصفته أو صورته أو مجموعة قسمه أو ردّ فعلٍ له أو مكان يعتاد الجلوس فيه أو مستوى دراسي لافت أو أيّ رابط آخر يساعد على التذكر اللحظي في الوقت المرجوّ فقط لأنه لا يُستساغ الحفظ الآلي لمئات الأسماء و استحضارها جميعا  بشخوصها و كل ما يتعلق بها في وقت واحد، و لا يمكن ذلك مع توالي سنوات التدريس و التقدم السالب للقوة في السن، و لا فائدة من ذلك في المُراد لنا من استحضاره لهم.
* كما يحتاجها الممارس للتدريس في استحضار ما راكمه من تجارب في طرق الشرح و طرق التفاعل مع فقرات الدروس بنواقصها و إيجابياتها حتى ينقّح عمله و يزيد من جودته.
* شخصياً لا أحبّذ حفظ الدروس من أجل إلقائها بشكل آلي، و أعتبر ذلك عناءً و تكلّفاً لا فائدة منه بل قد يؤثر سلبا على الفهم السليم للتلاميذ و قد تحدّثنا عن هذا في المقال 33 بعنوان "دون تكلف" و في المقال 38 بعنوان " التحضير "
* لا يستغني المتعلّمون عن الحفظ، إما لفقرات و دروس كاملة أو لصيغ علمية أو لقواعد منهجية، و يُستحسن للممارس للتدريس أن يعلّمهم طرق و تقنيات تيسّر الحفظ و تساعد على الاستحضار حسب المراد و حسب التخصّص و حسب المادّة الدراسية: فهناك الملخصات العامة التي تسهّل الإحاطة بالمضمون و هناك الملخصات الشخصية التي يهيئها كل تلميذ بخطه و أسلوبه و طابعه الخاص و هناك الحفظ الذي يربط الشيء بصورة أو حدث أو مكان أو غير ذلك لتيسير تذكره و هناك الحفظ الذي يحصل بكثرة الاستعمال و التداول و الاستخدام كما في الصيغ العلمية، و هناك قراءة النص المُراد حفظه لمرات عديدة قبل النوم مباشرة و إعادة ذلك عند الاستيقاظ فيكون قد أخذ مكانه الراسخ في الذاكرة، و هناك الاستظهار المباشر لتلميذين فيما بينهما مما يساعدهما معاً على الحفظ و المراجعة و هذه جملة من الوسائل المعينة على الحفظ مما عرفناه من تقنيات مجربة ناجحة.
* إن عدم القدرة على الحفظ و التقاعس عنه و الارتكان و الاتكال على المراجع بشكل كلّي يشكل عائقا في التعلم السليم و عاملا لإشاعة الغش و إعاقةً لبناء ذاكرة قوية، و بالمقابل فإنّ اعتماد استظهار منتجات جاهزة في بعض امتحانات بعض المواد و مناهجها يعتبر تبليداً و تهميشاً للعقول و إعاقةً لبناء شخصية ملهمة منتجة.






tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: