046 الحصة الأولى
تشويق و إثارة، حبّ استكشاف و استشراف، تخوّف و توجّس، ارتباك و ارتجاج، حيرة و قلق، تركيز و تدبّر، بحث عن صفاء الذهن و ترتيب الأفكار، تشوُّف و تطلُّع للجديد، ثقة و مراسة، استعداد و حماس أو رتابة و ملل،.... كلها أحاسيس و مشاعر مركبة و متباينة إلى درجة التناقض قد تكتنف الممارس للتدريس قبل و أثناء مُباشَرَة الحصة الأولى سواء كانت الأولى في مشواره المهني أو الأولى في سنة دراسية جديدة. تُبرِزُ الحصة الأولى معالم ما بعدها في بناء العلاقة مع التلاميذ و ترسم صورةً و انطباعاً في ذهن الممارس عن تلامذته و في ذهنهم عن شخصيته، قد يبقى راسخاً لمدة طويلة و لا ينمحي مع توالي الأيام إلا بصعوبة.
* يُستحسن أن تكون الحصة الأولى تمهيديةً في جلّ أطوارها تخصّص للمراجعة و الدعم و التعرف على معالم المقرر الجديد و المستوى الدراسي الجديد و كيفية مباشرته، و التوجيهات و الإرشادات و النصائح لتسهيل المهمة، فيها تعارف و استئناس بالصوت و الإلقاء و الأسلوب و طريقة التعبير و السلوك و التموضع و الحركة و الشرح و إدارة الأمور، كما يمكن عبرها توضيح معالم الطريق و خط السير و أسلوب و منهجية عمل الممارس للتدريس حسب المادة و الشعبة و المستوى و خاصة بالنسبة للمتبوعة بامتحان إشهادي.
* لا ضرورة لكلام كثير و لا إبهار مفرط و لا تجهّم أو تبسّط متكلّفين، و لا تنبيهٍ و تحذيرٍ و تخويفٍ و تهديد مضحك مستفزّ،  و إنما الاعتدال و الاقتصار على المفيد لبلوغ المقصود و هو كسب الثقة التي هي مفتاح لتيسير الأمور كما فصلنا في المقال الخامس.
* محاولة ملاحظة سلوك التلاميذ و مُعايَرة مستواهم الدراسي بشكل غير مباشر عبر ردود أفعالهم المباشرة و مشاركتهم الشفوية و تفاعلهم مع تمارين المراجعة المقدَّمة لهم.
* قد يكون عند بعض التلاميذ فتور و عدم استعداد ذهني للدراسة و شرود عما يدور في الحصة و حنين لمزيد من العطلة و قلة جاهزية للتفاعل، و هي أمور عادية و متوقّعة و لا يجب أن تُؤخذ كصورة ثابتة حقيقية و لا يجب أن يستتبعها ردّ فعل حاد، كما من المتوقع أن لا يحضر الجميع في الحصة الأولى، و إن حصل هذا فتأخير جزء كبير من جوانب النصح و الإرشاد و تحديد منهجية العمل و التعاقد المشترك يكون ملائماً و أكثر فاعلية.
* هناك من يبدأ الدرس الأول من الحصة الأولى بعد تقديم مختصر و يعتبر أن ممارسة التدريس هي المحدّدة لطريقة العمل و هي تُغني عن الكلام الكثير و فيها يظهر السلوك و التصرف و المستوى بالفعل و بالملموس، كما تشدّ الهِمم و تحفّز على البدء الحقيقي في السنة الدراسية و تفيد في إقبال المتغيبين عنها في الحصص الموالية. لها وقْع الهيبة و تعطي هالةً لقوّة المادة و جدية صاحبها، وسيلة تعليمية موفّقة في ظروف معينة و مناسبة خاصة و في إطار ملائم للمادة و الشعبة و المستوى و لشخص الأستاذ في حدّ ذاته، و هنا جانب التحضير مهم و قد تحدثنا عنه في المقال 38 و كذا جانب التركيز و قد تحدثنا عنه في المقال 42.
* قد يكتنف الحصة الأولى إرهاق و تعب كبيرين ناتجين عن عدم تعوّد الجسم بعد على ممارسة التدريس و هذه أمور معروفة بالبديهة و لا تستدعي قلقاً أو تخوفاً.
* لا يُفترض إبراز جميع المقدرات التعليمية و الميزات الشخصية في ممارسة التدريس من الحصة الأولى بل المقدار المناسب في الزمان و المكان المناسبين.
* هناك رصيد مكتسب من سمعة الأستاذ في مقر عمله يحمل تلامذته الجدد معهم تصوُّراً و تمثُّلاً عن طبعه و سلوكه و طريقة تدريسه و شرحه و غير ذلك، فيها جوانب سلبية و أخرى إيجابية قد تساهم في تسهيل المأمورية و تيسيرها، كما قد تؤثر سلباً و تتطلب جهداً إضافيا لمحو ما طُبع بسواد في الصفحة البيضاء.
* لا توجد قاعدة موحدة و نمط قارّ في مناولة الحصة الأولى بشكل صحيح سليم، حيث يبقى لكلٍ بصمته الخاصة، و ما أسلفنا التفصيل فيه هو تجربة و معاينة قد توافق البعض و تناسبه بشكل كلي أو جزئي و قد تكون غير ذلك لآخرين و لا ندّعي فيها الإحاطة الشاملة بكل الأساليب الناجعة و إنما هو اجتهاد شخصي و الله الموفّق. 






tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: