فراشة الربيع – الجزء الأول
بقلم ذ: خالد بيلا
نزل من حافلة النقل الحضري، فنفض سترته وتحقق من سلامة أطرافها، ليتمم مسيره نحو "الغار"، كما يحب أن يسميه أثناء تمازحه وأصحابه. بعد دقائق من السير وجد نفسه في السوق دون سابق نيّة، فقد غيّر الباعة أماكنهم مرة أخرى خوفا من إحدى الحملات التي طالت سوقهم الغير النظامي. أخذ ينساب بين العربات، ويراوغ المارّة، فتارة شيخا يسير وسط الطريق حاملا قفّته، وتارة أخرى صبيّا ممسكا أمه بيسراه وتاركا يمناه الملطّخة بالطّين ليربّت بها على كل محظوظ يمرّ بجانبه... يدفع هذا بذراعه، ويحتمي من ذاك بمحفظته الباهت لونها، المهم أن تصل السترة في أمان الله، فقد ضاق ذرعا بتوبيخ ابن عمه له كلما أعاره شيئا من ثيابه، ولولا كِبر مناسبة اليوم وأهميتها لما سمحت له عزة نفسه أن يطلب منه السترة مرة أخرى. بعد هنيّة لمح بائع الإجاص، فتحسّس جيبه ليتحقق من وجود تلك الدريهمات التي بقيت من ثمن تذكرة الحافلة. إنه آخر أسبوع له بالمدينة، ولا ضيْر من أن يستمتع بكل ما اشتهت نفسه منذ أشهر، خاصة وأنه وفّر من آخر منحة دراسية أكثر من النصف، فلا مزيد من مصاريف الكراء، ولا مصاريف النقل، ولا حتى مصاريف الأكل، فقط أياما معدودة تفصله عن العودة الى الدوّار.
وقف عند الفاكهانيّ، وبعد المساومة المعتادة على الثمن، اختار بضع حبات من الإجاص بعناية كاملة، وهو يتحسّس جيبه من حين لآخر؛ أدّى الثمن ثم تابع طريقه بخطوات واسعة، متأبطّا محفظته التي صار لونها الأسود مائلا للأزرق بسبب كثرة التّصبين. بعد اجتياز زنقتين، أو ثلاث، وصل صاحبنا "للغار"، ففتح الباب ثم دخل مسرعا خِيفة من أن يلْحظه "بّا مْحمّد" صاحب الدّكان.
خلع حذاءه، ووضع محفظته وكيس الإجاص جانبا، ثم علّق السّترة بلطف على مقبض الباب ليرتمي على فراشه ويبدأ بترتيب أفكاره وتحليل مقابلة التخرج التي أجراها اليوم: "هذا السؤال كان بسيطا جدا لأجلس مذهولا أمام اللجنة، والسؤال الثاني... أعتقد أن إجابتي عليه لم تكن مقنعة بالنسبة لهم، أما السؤال الأخير فقد كنت مستعدّا تماما له، لولا أن تلك الأستاذة قاطعت تدخّلي..." ثم قفز من فراشه واتجه نحو محفظته، وأخرج قلما وورقة وبدأ بالحساب والتخطيط، ليختتم بعد دقائق قليلة تسويده، بأن أمسك ذقنه وقال: "إذن لأحصل على الاجازة بميزة، لا بدّ أن أحرز المعدّل في مقابلة اليوم!". ثم أخذ إجّاصة من الكيس ليكسر بها جوعه، قضمة تتبع قضمة، إلى أن غلبه النّعاس.
بعد نوم عميق استيقظ وقرب آذان المغرب، فتوضّأ وصلى صلاة العصر التي كان قد نام عنها، ثم اتجه صوب المسجد المجاور، حيث التقى بعدد لا بأس به من الأصدقاء، منهم من يوازيه سنّا، ومنهم من يصغره عمرا؛ ففي مثل هذا الوقت من كل سنة، ومع اقتراب موعد الامتحانات الإشهادية، يحرصون على الصلاة في المسجد للتضرع وسؤال التوفيق من الله عز وجل. بعد الصلاة عاد الى المنزل، وما كان عليه في طريقه إلا أن يمر هذه المرة، مرغما، على دكان "بّا مْحمد"، فليس هناك من يجاريه في تحضير شطائر البيض والسلامي.
- السلام عليكم، من فضلك شطيرة بيض وسلامي كالعادة، ولا تكثر الصلصة الحارّة!
رفع "بّا مْحمد" نظره ببرودة، ودون أن يردّ السلام، استقام بهدوء ومسح يديه بوزرته البيضاء المتسخة، ثم باشر اعداد الشطيرة. وبينما هو يقلّب البيض فوق المقلاة، تكلّم بصوت كالهمس، لكنه واضح النبرات:
- لقد كنت توّا أتحقق من دفتر الديون، ووجدت أنه ما زال بذمتك سبعة وأربعون درهما.
فأخرج بطلنا "عبد الرحيم" من جيبه خمسون درهما، ورماها جانبا بطريقة تظهر للعيان، وعيناه تلمعان ببريق الثقة والاعتزاز. تبسّم "بّا مْحمد" وتغيرت ملامحه، وبدأ العمل في تحضير الوجبة بسرعة أكبر:
- هل ستأكلها هنا يا بنيّ؟ هل أسجل ثمنها في الدفتر؟
- سآخذها معي الى البيت...
ثم أخرج "عبد الرحيم" أربعة دراهم، ووضعها فوق ورقة الخمسون درهما. أضاف "بّا مْحمد" رشة من زيت الزيتون على الشطيرة، ولفّها بورقة ثم وضعها بكيس بلاستيكي على غير عادته، وقدمها لصاحبنا الذي أخذها وانطلق الى منزله.
في صباح اليوم التالي استيقظ "عبد الرحيم" باكرا وحضّر نفسه للذهاب الى الكلية من اجل اتمام آخر اجراءاته الادارية قبل العودة الى الدوار.
خرج من "الغار" ولكن هذه المرة دون الزي الرسمي الأنيق، واتجه نحو موقف الحافلة متفائلا. بعد ساعة إلا ربع، كان قد حجز مكانا له بطابور وراقة الكلية لنسخ واعداد بعض الوثائق الادارية والشخصية. الصف يكاد لا يتحرك، فالآنسة المشتغلة بالمكتبة تعمل ببطء شديد، وعينيها الجاحظتين تعكسان مدى سخطها عن الوضع، كأنها ملّت عملها وملّت معه زبنائها المعتادين. بعد مدة ليست بالقصيرة تفاجئ "عبد الرحيم" بأحد الأصحاب خارجا من المكتبة بعد أن منّ الله عليه بنسخ ما تيسّر من الأوراق. استوقفه "عبد الرحيم" وهو يتأمل بفضول حجم الملف الكبير الذي يحمله:
- السلام عليكم، ما بال هذا الملف الضخم؟ أما زال هناك بعض المحاضرات التي لم تنته بعد؟
- إنني أحضر ملفي لأترشح لاجتياز مباراة الوظيفة، وقد حصلت للتو على كشوفات النقط وجئت لنسخها وباقي الوثائق المطلوبة.
- الوظيفة؟! أية وظيفة؟!
- لقد تم الاعلان عن مباراة التعليم، وآخر أجل لوضع الترشيحات بعد أسبوع من الآن!
- يا إلهي! لم يخبرني أحد بالأمر!
- الكل يعلم بالخبر، فقد تم نشره على الانترنت!
جلس "عبد الرحيم" القرفصاء، وبدأ يتحسر على حاله، فلو كان يملك حاسوبا لتمكن من تصفح الانترنت على الدوام، والاطلاع على آخر الاخبار والمستجدات. وكيف له أن يجمع الوثائق المطلوبة والتي يلزمها وقت وذهاب وإياب وبعضا من الحظ، وهو على وشك ترك منزله المُكترى بعد أيام؟!
يتبع...






tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: