فراشة الربيع – الجزء الثاني
بقلم ذ: خالد بيلا
قضى "عبد الرحيم" أربعة أيام ماراثونية، بين الكلية والمكتبة وزيارة بعض الأصدقاء من أجل الاستشارة والتوجيه، أربعة أيام من الانتظار في الحر، دون فطور ولا غذاء، أربعة أيام من ترجي الإداريين والأعوان من أجل تسريع عملية استخراج كشوفات النقط وبعض الوثائق الاخرى قبل انتهاء الأجل المحدد. وكان لا بد له قبل مَتمّ نهار اليوم الرابع أن يزور "الحاجّة" صاحبة المنزل، من أجل طلب تمديد فترة الكراء الى غاية آخر الأسبوع.
- السلام عليكم أَلحاجّة، كيف حالك وحال الصحة والأبناء؟
أجابت "الحاجة" وهي تُطأطِأ رأسها، بصوت هادئ يتخلّله أنين:
- الحمد لله يا بني على كل حال، ذهبت الصحة وذهب معها الأبناء، كلّ مشغول بحياته الآن. هل انتهيت من جمع أغراضك يا بني؟
- لهذا السبب جئتك ألحاجّة... لطلب تمديد مدة المُكوث في بيتك حتى نهاية الأسبوع...
اشرأب عنق "الحاجة" وأقرنت حاجبيها وأجابته بنبرة صوت صارمة:
- ... هو يوم واحد يا ولدي، فأنا بصدد التحضير لعرس ابنتي، وسأحتاج المنزل هذه الأيام. ثم دخلت تاركة جزءا من الباب مفتوحا.
بعد زوال يوم الغد، كان "عبد الرحيم" قد سارع الى جمع ما بقي من وثائق ولم يتبقى له سوى ملأ استمارة التسجيل عبر الانترنت، ولهذا الغرض اتجه لصديقه "رشيد" الذي يعمل بمقهى للأنترنت، والذي ينقذه في مثل هذه المواقف. بعد تعبئة استبيان التسجيل، شكر "عبد الرحيم" صاحبه وأعطاه رقم هاتفه من أجل إخباره بالنتائج فور الإعلان عنها.
في عشية نفس اليوم، رتّبَ بطلنا أغراضه، وارتدى سترة ابن عمه، وتوجه الى مركز التربية والتكوين ليضع وثائق ترشيحه، ثم استقلّ آخر سيارة أجرة متوجّهة للدوّار.
في كل مرة يعتاد فيها "عبد الرحيم" على صخب وأجواء المدينة، يجد نفسه غير قادر على التأقلم من جديد مع أوضاع الدوّار وما يستلزمه من أعمال يومية شاقة أهمها الرعي والسقي، فلم يعد يرضى أن يلْحَظه الناس يرعى الغنم، وهو الذي حصل على اجازته بميزة، وصار بيده مفتاح يُمَكِّنه من ولوج وظيفة محترمة.
بعد ثلاثة أسابيع في الدوار، وبينما "عبد الرحيم" مُتّكأ على جذع شجرة يهش غنمه، رنّ هاتفه الذي لم يعد يفارقه منذ عودته من المدينة. أجاب بسرعة ولهفة... إنه "رشيد" اتصل ليخبره أنه قد تم ادراج اسمه في لائحة المقبولين لاجتياز المباراة التي ستنظم بمدينة مراكش آخر هذا الشهر. وسط إحساسَيْ الغبطة والسعادة، الذي أحس بهما "عبد الرحيم" ظهر قلق وحسرة حدّا من فرحته... فالسفر الى مراكش يلزمه مال للتنقل، والمأكل، والمبيت... ومتى سيتسنى له التحضير للمباراة؟ ثم تذكر لوهلة "الحاجّة" التي أبت أن تطيل من مدة اكترائه للغار، فلولا عنادها لتمكن من جمع وثائق ومعلومات أكثر تفيده للتحضير لهذا اليوم الموعود. عاد "عبد الرحيم" لمجلسه بعد أن كان قد وقف مسرعا للإجابة على مكالمة رشيد، ثم مدّ رجليه وبدأ يداعب الحصى بعصاه.
بعد صلاة العصر، احتسى بطلنا كأسا من الشاي بالنعناع وليس في باله شيء سوى التفكير في مراكش، حتى أنه لم يعِر اهتماما لما جادت به أنامل أمه من رغيف و"مسمن" وحلويات. بعد لحظات تذكر أحد أعمامه الذين لم يرهم منذ وفاة والده، والذي يقال انه يعمل بالمدينة الحمراء. هرع "عبد الرحيم" مسرعا عند أمه يسألها:
-  أمي ! هل عمي "البشير" لا زال يقطن بمدينة مراكش؟
أجابته أمه، وهي ترفع راحة يُمناها، كأنها تتبرأ مما قد ينتج عن اجابتها:
-  هذا ما قالته عمتك الزهراء...
- وهل تعرفين أين يوجد مسكنه؟
- كل ما أعرفه أنه يعمل "حلايقيا" بساحة جامع الفنا.
ها قد ضمن "عبد الرحيم" مكانا للمبيت أثناء اجتيازه للمباراة التي ستمتد على يومين متتاليين، أو ربما هذا ما حاول أن يقنع نفسه به ليتمكن من التركيز أكثر على الاستعداد للامتحان.
مرّت الايام وشارف الأسبوع الأول على الانتهاء، وفي كل يوم كان يمر "عبد الرحيم" وغنمه على مدرسة الدوار، طمعا في وجود شخص فيها يطلب منه المساعدة والتوجيه؛ فموعد توقيع محاضر الخروج قد اقترب ولا بد من أن يجتمع الاساتذة هناك.
كل يوم عند "عبد الرحيم" كان يبدأ بأمل وينتهي بأسف وحسرة؛ الى أن جاء ذاك اليوم الذي لمح فيه سيارتين مركونتين جانب باب المدرسة الذي كان مفتوحا. انتظر أمام المدرسة نصف ساعة، ثم ساعة، فساعتين... وكله شغف وتوتر. الى أن خرج الأساتذة وركبوا في السيارتين بسرعة، إلا واحدا كان متأخرا قليلا عن الموكب. اتجه "عبد الرحيم" نحوه مسرعا فبادره بالسلام قبل أن يرتمي هو الآخر داخل احدى السيارتين:
- السلام عليكم يا أستاذ، لقد تم قبولي لاجتياز مباراة التعليم وأحتاج بعض الوثائق التي قد تساعدني للتحضير للمباراة.
تبسّم الأستاذ ووقف لثوان ينظر الى الأسفل وهو يداعب ناصية شعره، ثم طلب من زملائه الانتظار وعاد الى المدرسة. بعد مدة قصيرة خرج الأستاذ محمّلا بثلاث كتب ومطبوع غليظ، جُلّها بالٍ، لكنها منظمة وأنيقة... مدها لعبد الرحيم وتمنى له التوفيق، فشكره هذا الأخير وأظهر له كل الامتنان؛ فلم يضع انتظاره سُدا، وبات الآن على المسار الصحيح لمواصلة السعي وراء هدفه.
المشهد الذي عاينه "عبد الرحيم"، وكيف كان الأساتذة مندمجين فيما بينهم، وكذلك ثيابهم الأنيقة والهيبة التي ترافق لقبهم، جعله يتشبّث أكثر بهذه الفرصة، وأمضى صاحبنا ما تبقى من أيام تفصله عن المباراة في الجد والمثابرة، فقد صرت تراه يحمل كتبه أينما حل وارتحل... أثناء الرعي، أثناء الاستجمام، وحتى في الجلسات العائلية، حتى صار بعض ساكنة الدوار يلقبونه بالدكتور، ليس تعظيما وتشجيعا، بل سخرية واستهزاء.
لم يكن كلام الناس، ولا حالته المادية والاجتماعية، ولا حال أبناء جيرانه الذين حصلوا على الباكالوريا ولم تنفعهم، أو بالأحرى لم ينتفعوا بها في شيء، فها هو "ابراهيم" يرعى الغنم، وذاك "أحمد" يفترش مكانا في المدينة لبيع بعض السلع الموسمية، أما "سعاد" فتنتظر عودة ابن عمها من الغربة ليتزوجها... لم يكن كل هذا ليقلل من عزيمة "عبد الرحيم" واصراره، فإن كانت هذه المباراة لمعظم الشباب في عمره تجربة ومحطة عبور، فبالنسبة اليه كانت عبارة عن استثمار... استثمار لسنوات من التعب والعمل، استثمار لليال من السهر والجوع، استثمار لغربة فوق فراش اسفنجي لا زالت ذكراه مدوّية بين أضلع "عبد الرحيم".
انطوت أيام والشاب المثابر ليس له هم سوى الحصول على الوظيفة، فبعد وفاة والده منذ ثلاث سنوات، بات هو المعيل الوحيد لأمه، اللّهم تلك البركة التي يرسلها أخوه "هشام" بداية كل شهر رمضان؛ "هشام" الذي هاجر سِرّيا الى ايطاليا هربا من غَيابات البطالة والانحراف، فرغم أن الهجرة ليست من أولويات "عبد الرحيم" في الوقت الراهن، إلا أنها واردة كخطة بديلة في حال عدم توفقه في الحصول على وظيفة. فمن ترعرع في مثل ظروفه يعلم جيدا أن الشهر والسنة... يعنيان الكثير، فليس له الوقت مثل أقرانه من اجل البحث عن عمل أو قضاء فترات التدريب بين الشركات والمؤسسات التي تستغل حاجة الشباب وقلة خبرتهم.
لم يتبقّ إلا يومان على الميعاد المنتظر؛ جهز "عبد الرحيم" حقيبة ظهر صغيرة، ثم انطلق نحو مراكش التي لم يسبق أن وطأتها قدماه. نزل من القطار واقتراب غروب الشمس، وليس له ملجأ سوى ساحة جامع الفنا. استوقف أول طاكسي رآه:
- السلام عليكم، ساحة جامع الفنا لو سمحت يا سيدي.
لم يكن يعلم "عبد الرحيم" أن عبارتَيْ "سيدي" و"البهجة"، تَفْرقان الكثير لدى بعض سائقي الطاكسي بالمدينة الحمراء. بل أكثر من هذا، طيبته... أو بالأحرى سذاجته، جعلته يحكي للسائق تفاصيل مجيئه أول مرة لهذه المدينة. كلّف هذا الحديث، الذي بدا شيّقا في البداية "لعبد الرحيم"، ثلاثون درهما، أي أن مصاريف جولته بالطاكسي كادت تقارب مصاريف رحلته من الدوار الى المدينة. أدى صاحبنا السومة الغليظة وانطلق للساحة من أجل البحث والتجوال بين الحلقات واحدة واحدة، علّه يلمح عمه "البشير". أحس "عبد الرحيم" بمهرجان من المشاعر، فقد أضحكه عرض كوميدي لإحدى الثنائيات، وأدهشه القرد الذي ينفذ أوامر صاحبه، وأخافته الأفعى التي تلتوي قرب أقدام المتفرجين، ولكن أكثر ما أثار انتباهه كان جمعا من الناس تجمهروا حول احدى الفرق المكونة من رجال يرتدون ملابس نسائية، من نقاب وحليّ وفساتين ذات أهداب ملونة، يقدمون عروضا راقصة كوميدية غنائية، تفاعل معها المتفرجون. كان لا بد لهذا المشهد الغريب أن يجذب "عبد الرحيم" الذي اتخذ مكانا له في الصف الخلفي ليتجنب حرج مد النقود بعد نهاية كل فصل من الحلقة، ووضع حقيبته جانبا ليريح كتفيه. ضحك "عبد الرحيم" حتى دمعت عيناه، وتابع العرض حتى نهايته، بل أن فضوله وشغفه جعلاه ينتظر حتى بعد نهاية العرض، من أجل معرفة من يختبأ خلف تلك الأزياء الفلكلورية. راقب بدقة ودهشة كل التفاصيل، حتى رأت عيناه ما لم يكن في الحسبان... ثم دفع بيديه من بقي من المتفرجين، واتجه مسرعا نحو أحد أعضاء الفرقة الذي كان بصدد نزع ثياب العرض:
- عمي البشير؟!!
يتبع...






tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: