صعب جدا أن تجد مجالا من المجالات الانسانية لا تحضر فيه المدرسة بقوة وفاعلية، فالعلم والمعرفة يزرع وينبت وينمو ويحصد على أبوابها، حيث تتقاطع فيها كل مناحي حياة الحضارة، وشتى أنواع العلوم والمعارف.
المدرسة تشكل دوما نقاشا مستمرا، وجدالا متواصلا في المجتمعات، في محاولتها لمسايرة التحولات المتسارعة والتطورات المتلاحقة لسير التاريخ المتغير باستمرار.
المدرسة المغربية لن تحيد بدورها عن القاعدة ، والنقاش العمومي يتحدث عن أزمتها منذ زمن طويل، لكننا سنتحدث عنها في مقاربة تستقصي استحضار أبعاد  منظومتها القيمية في سعيها لصناعة المواطن، الذي يحيل على مساهمته ومشاركته في تسيير الشأن العام، وخلق أواصر التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع.
ثمة لغط كبير في الآونة الأخيرة بمناسبة الانتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر من السنة الجارية، وعزوف نسبة كبيرة من المواطنين عن المشاركة في هذا الاستحقاق، على الرغم من الحملة الاعلامية التي تم تسخيرها لحث الناس على المشاركة.
ما يثير الانتباه هو حتى خطباء المساجد كممثلين لمؤسسة دينية انخرطوا دون جدوى في تشجيع الناس، بتوصية من وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية للإقدام على المشاركة في الانتخابات التشريعية لانتخاب ممثليهم، وهو ما فشلت فيه حتى المدرسة بدورها لمدة عقود في تلقين الأجيال لمبادئ المواطنة في مناهج التربية الوطنية.
هذا المعطى يجعلنا نتساءل إلى أي حد فشلت المدرسة المغربية في التنشئة الاجتماعية لمواطن متشبع بروح الفكر الديمقراطي الهادف إلى المشاركة في تسيير الشأن العام.
إذا كانت الدساتير والمواثيق والاستراتيجيات والمقررات والمناهج التعليمية تسطر مجموعة من القيم الدينية والحضارية والكونية، لترسيخها كسلوك في صفوف الناشئة، من قبيل التعددية والاختلاف والتضامن والحرية والمشاركة، فإنها لا زالت شعارات لم تجد ترجمتها بعد على أرض الواقع.
تشير التوقعات على أن نسب المشاركة في الانتخابات الأخيرة جد متدنية في العالم الحضري مقارنة بالعالم القروي، هل يقودنا هذا التحليل إلى فرضية نوعية التعليم الذي بدأ يزحف في المدن، حيث التعليم الخاص أصبح مسيطرا بشكل مضطرد، وهو تعليم في غالبيته مفرنس يرتكز على تبني مناهج أجنبية تحمل في ثنايا بنيتها اللغوية سمات وهويات مختلفة عن واقعنا الوطني، تعلي من شأن الفرد وتتمركز حول الذات مما أدى إلى خلل في نقل القيم من جيل إلى جيل، فصارت فئة من المواطنين تعيش بيننا وعقلها وفكرها مع الخارج، فأصبحت سمة اللامبالاة وتراجع الحس النقدي والوعي بالتاريخ الوطني في بعده الحضاري، حتى أن نسبة كبيرة من الناشئة ترزح في جهل تام بمسار تاريخها، وقد تجهل أحيان كثيرة أسماء الدول والحضارات المتعاقبة على حكم المغرب.
بدأ نوع من التمثلات المجتمعية تعطي نظرة تبخيسية عن فعل المشاركة في الانتخابات، فأصبح سلوك العزوف والمقاطعة لصيقا بالطبقة المثقفة التي تتأفف عن المشاركة، لأنها في اعتقادها سلوك هجين ينزل بهم إلى درك العامة، الذين يقبلون بقبض الأموال وبيع ذممهم لأناس غير جديرين بتحمل المسؤولية.
من جهة أخرى، يمكن القول بأن طبيعة الأفكار والمعتقدات الملقنة في المدرسة، لها تأثير كبير على التشبع بقيم المشاركة السياسية للفكر الديمقراطي، غير أن طبيعتها الرائجة في شكلها الحالي، تجعل صوت التلميذ غير مسموع داخل الفصل والمدرسة، ومازالت العلاقات العمودية هي السائدة بينه وبين الأستاذ والإدارة، وبالتالي يعتبر هو آخر حلقة يمكن إشراكها في بناء القرار داخل مدرسته.
نفس الشيء ينطبق على مكونات المجتمع المدني، فجمعيات أباء وأمهات التلاميذ والتلميذات، لازال دورها محدودا وغير فعال، وتبقى تمثيليتها جد محتشمة في مجالس المؤسسة التي تعد هياكل صورية غير مفعلة كما هو متوقع منها.
من جانب آخر، أصبحت المدرسة رهينة للقيم الاقتصادية التي تسعى لتأهيل المتعلمين للولوج إلى سوق الشغل، الذي يستجيب لمواصفات معينة تهم مجموعة من المهارات والكفاءات الملائمة للإنتاج الصناعي والخدماتي ، فأحدث ذلك تسابقا محموما على ولوج الشعب العلمية والتقنية، وكذا المنافسة على تحصيل أعلى النقط، مما أنتج شرائح من المتعلمين يغلب عليهم التفكير التقني، الشيء الذي أبعدهم كثيرا عن حس التحليل النقدي.
تشجيع قيم المشاركة في تدبير الشأن العام داخل مدارسنا يستدعي أيضا، الاهتمام بالمدرس ومدى تكوينه وتشبعه بالفكر الديمقراطي سواء في فكره أو في ممارساته، خصوصا وأن المتعلم يتأثر بنسبة كبيرة بسلوك مدرسه وتوجهاته.
إذا كان المغرب قد خطى خطوات محترمة في تكريس الممارسة الديمقراطية، لا على مستوى ظروف إجراء الاستحقاقات الانتخابية، ولا على مستوى مسايرة قوانينه وتشريعاته مع المستجدات الدولية، فإن ورشا مازال مهملا ولم يستحق الأهمية المنتظرة ، وهو ورش التنشئة المدرسية للمواطن على سلوك المواطنة والمشاركة في تدبير الشأن العام.
بقلم محسن زردان
كاتب وباحث












tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: