فراشة الربيع – الجزء الثالث
بقلم ذ: خالد بيلا

لم يخطر على بال "عبد الرحيم" للحظة أن يجد عمه "البشير" متخفيا في زي نسائي... وتمنى لو أنه لم يجده. صُدم العم "البشير" واحمرت وجنتاه، وبدأ بالالتفات يمينا وشمالا ليتأكد ما إن كان "عبد الرحيم" لوحده، أو رفقة أحد أفراد العائلة.
بعد أن تحقق بطلنا من ملامح عمه، الذي سلم عليه ببرودة وجفاء، عاد ليحمل حقيبة ظهره التي لم تكن للأسف في انتظاره، فأخذ يلتف بين المتفرجين والمارة، ويبحث بجنون في جميع الأرجاء، حتى أمسكه عمه من كتفه بقوة كأنه يخبره أن لا جدوى من البحث. صار "عبد الرحيم" يلهث ولا يستطيع أن يتبث في مكان من هول الصدمة، وبدأ يتحسس ويتحسس كل جيوب سرواله وقميصه، ليتحرى وجود محفظة النقود، وبطاقة التعريف، واستدعاء المباراة.
حزم "البشير" أغراض "عمله" في كيس مهترئ، ووضع طاقيّته المزركشة على رأسه، ثم انطلق و"عبد الرحيم" خارج ساحة جامع الفنا. مرت دقائق والقريبان يمشيان دون تحدّث؛ لم يجرأ أحد منهما على الكلام فيما طرأ أثناء الحلقة أو تفسيره، إلى أن قرر "عبد الرحيم" كسر حاجز الصمت، وبدأ بالتحدث مع عمه وحكا له تفاصيل مجيئه إلى مراكش ومغامرة البحث عنه، وأنه لا يملك مكانا للمكوث فيه. كان "عبد الرحيم" الأكثر كلاما، بينما "البشير" كان يكتفي بطأطأة رأسه أو بأسئلة قصيرة لا معنى لها. ظل "عبد الرحيم" طوال المسير، يشتكي لعمه الظروف القاسية، ويشرح له أهمية المباراة بالنسبة إليه، ويتأسف على ضياع أغراضه المهمة، حتى دعاه هذا الأخير للمبيت عنده... وما كاد يفعل.
اختفى صخب المدينة وأضواءها شيئا فشيئا، ودخل القريبان لأحد الأزقة الضيقة، اتجها يمينا ثم شِمالا حتى وَصَلا لباب مختفٍ في أحد الزوايا المظلمة؛ فتحه "البشير" وأعطى "لعبد الرحيم" نسخة عن المفتاح، ثم دخلا. كان البيت يحتوي على دورة مياه، ومكانا به صنبور وقنينة غاز صغيرة وبضع أوان، يُعتقَد أنه المطبخ، وغرفة ضيقة. نزع العم "البشير" حذائه ثم وضع كيسه في زاوية من الغرفة، قرب بعض الأغراض الغريبة الأخرى من ملابس وأدوات وحتى سواطير، واستلقى على الأرض وأغمض عينيه غير آبه بأحد. كانت الغرفة شبه ممتلئة برجال من مختلف الأعمار، وما إن دخلها "عبد الرحيم" حتى انهالت عليه نظرات حادة أربكته، وما كان له إلا أن يتخذ مكانا قرب عمه ليستلقي فيه دون أن يفهم شيئا. أقبل منتصف الليل وبطلنا لم يغمض له جفن، والغرفة امتلأت عن آخرها، وبدأ النفَس بالاختناق شيئا فشيئا. لم يعد "عبد الرحيم" قادرا على الترنّح في مكانه، وكلما حاول التحرك لامس رِجل أحدهم أو رأسه؛ ظل الحال هكذا حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل... ثم ازداد سوءا. بدأت المنبهات بالرنين ومع كل رنة، كان يخرج رجل أو رجلين، يرودان في مشيهما. كان يفصل بين المنبه والآخر ساعة تقريبا، وأحيانا أقل من ذلك، وفي كل مرة كان "عبد الرحيم" ينزاح بنظره جهة عمه الذي كان يغط في نومه كأنه اعتاد على الأمر.
في كل مرة كان يخرج فيها أحد النائمين بالغرفة، ويحمل معه زاده من الزاوية، كان "عبد الرحيم" يسأل نفسه، أي عمل هذا الذي يكون بعد منتصف الليل؟ وفي أي شيء تُستعمل كل تلك الأدوات الغريبة؟ وما بال السواطير؟ كل هذا جعل رجليه تتجمدان من الخوف، رغم شدة الحر بالمكان؛ أمضى الليل كله يتساءل، ويحلل الأصوات التي يسمعها آتية من وسط العتمة، ويفكر في الغار الذي كان يكتريه، وكيف كان ملكا له وحده، يرتع فيه كيف يشاء.
طلّ الصباح واستيقظ "عبد الرحيم" متأخرا بسبب الأرق الذي لازمه طوال الليل. لم يكن أحد بالغرفة إلا رجلين يتناولان أكْلا لا تظهر مكوناته، لأنه مغلف بكيس بلاستيكي. جهّز بطلنا نفسه، ثم انطلق الى المركز الجهوي لمهم التربية والتكوين، وأخذ يسأل كل من يجد في طريقه من المارة؛ فمنهم من يرسله لمديرية التعليم، ومنهم من يحسبه يبحث عن إحدى المدارس، ومنهم من يوجهه لدار الضرائب... كلٌّ حسب فهمه، خاصة أن هذه التسميات الإدارية جديدة، ولا يلمّ بها الكثيرون. أمضى صاحبنا ساعات وهو يبحث عن ضالته، خاصة أن طبيعة المراكشيون الاجتماعية، وفرحتهم بالغريب، تجعله يمضي دقائق في اللغط كلما سأل أحدهم عن وجهته.
وصل "عبد الرحيم" بعد الظهيرة الى مقصده، فوجد بالمركز عددا من الأفراد أغلبهم في مثل سنه، ثم اتجه نحو مكتب الإدارة الذي كان مفتوحا، من أجل الاستفسار عن بعض المعلومات. كان هناك رجل يجلس على مكتب أنيق وكبير، لقي منه "عبد الرحيم" ترحيبا وسعة صدر جعلته يطمئن لاجتياز مباراة الغد، وأزاحت الضباب عن عدة تساؤلات شغلت باله. وعند خروجه الى ساحة المركز، وقف عند مجمع من المترشحين، وبدأ الحديث معهم حول عدة مواضيع تخص المباراة والتعليم. كانوا شبابا مثقفين يطغى على كلامهم عبارات الاحترام والتقدير وتقبّل الآخر. ثم خرج بعد ذلك من المركز، بعد أن تبادل معهم أرقام الهواتف، وكله حماس وشغف ليلتحق بهذه النخبة. لم يحس "عبد الرحيم" يوما بمثل هذه المهابة والإجلال عند ولوجه باب احدى الإدارات، وما عاشه في الكلية من صدّ وتماطل، من صغير الموظفين الى كبيرهم، جعله يجزم أن كل ما هو إداري مرادف للمَشقّة والهَوان.
عند العصر، تلقى "عبد الرحيم" اتصالا من أحد الأصحاب الجدد الذين تعرف عليهم هذا اليوم، يدعوه فيه الى الإجتماع رفقة آخرين من أجل النقاش حول المباراة. رحّب صاحبنا بالفكرة، واتجه نحو المكان الذي وصفه له الشاب، فوجد الشلّة مجتمعة حول طاولة بإحدى المقاهي في وسط المدينة. بعد التحية والسلام، جلس "عبد الرحيم"، ثم قدّم كل واحد من المجموعة طلبه للنادل؛ اختلفت الطلبات حسب جنس وعادات كل فرد، إلا "عبد الرحيم" الذي امتنع عن الطلب بحجة أنه صائم.
كان الكل منهمكا في تدوين الملاحظات وطرح الأسئلة والنقاش، أما "عبد الرحيم" فقد اكتفى بالإنصات وتلقي المعلومات، خاصة أن كتبه وأغراضه قد سرقت منه.
حل المساء، وتفرق الجمع، وعاد "عبد الرحيم" الى المنزل الذي لا يعلم عنه شيئا لحد الآن. ولكن هذه الليلة، عدّل منبه هاتفه هو أيضا، ليستيقظ قبل موعد المباراة. مرت الليلة كسابقتها، و"عبد الرحيم" لا يكاد يمّيز رنة منبهه بين الرنات الأخرى التي تتشابه نوتاتها. مضى اليوم الأول، ثم الثاني، وحضر المناسبة نخبة من المثقفين وأصحاب الشهادات العليا، من مختلف الأعمار والفئات، وكان همّ "عبد الرحيم" الوحيد هو اجتياز المباراة والرجوع الى الدوار بأسرع وقت. وفي عصر اليوم الثاني، انطلق "عبد الرحيم" من المركز الى محطة القطار مباشرة، دون أن يسلم على عمه الذي كان سيفرح كثيرا بوداعه.
وصل بطلنا للدوار، دون حقيبة ولا زاد، ففرحت به أمه التي غمرته بالدعاء والقُبل وحضّرت له أشهى المأكولات والأطباق. لم يخبر "عبد الرحيم" أحدا بالأحداث الغريبة التي مر بها بالمدينة الحمراء، واكتفى بسرد الطريفة والجميلة منها ولو أنها قليلة؛ ولأنه لم يرد أن تهتز صورة عمه الشهم والمحترم، كان يمدحه ويثني على موقفه النبيل الذي أبداه عند اللقاء به. 
لم تمض أياما طويلة حتى تم استدعاء "عبد الرحيم" لاجتياز المقابلة الشفهية، فأعطته أمه المسكينة بضع ورقات نقدية، كانت قد حصلت عليها بعد بيع سطل من التين البربري، وبعض العسل والسمن، من أجل التأكد من أن ابنها العزيز سيكون في أفضل حال، وهو أمام لجنة المقابلة. لحسن الحظ لم يكن هذه المرة إلا نصف يوم، قضاه "عبد الرحيم" بمراكش، ولحسن الحظ أيضا أن تعبه وشقاء والدته لم يذهبا سدا، فبعد أسابيع كانت البشرى السعيدة تجوب أرجاء الدوار، والزغاريد لم تكد تنقطع من بيت الأستاذ المستقبلي. لم يسع فرحة "عبد الرحيم" شيء، فلم يبق من تحقيق حلمه إلا شفا، وسينسى كل معاناة مر بها أو يوم عصيب أرق باله. مشقة العمل بالدوار، غربة العيش بالمدينة، تسول الأقارب والجيران، الاحتقار والمذلة، كل هذا بات من الماضي الآن. 
بعد يوم غد، حضّرت "السعدية" أمّ "عبد الرحيم"، وجبة "الرفيسة" الشهية، وزينتها بالبيض وجادت في تحضير مرق الدجاج البلدي بالسمن وأوْفَت، ثم دعت كل الصديقات والقريبات، وحتى العدى. رحبت بالضيفات أشد ترحاب، ولم تبخل عليهن بطيب قَط، وفي كل مرة كانت تُدخل عليهن "عبد الرحيم" بعد إلحاحهن على مقابلة نجم الوليمة، وسط مباركتهن ودعواتهن له بالتوفيق. ومن شدة خجله كان "عبد الرحيم" لا يرفع نظره ويكتفي بالتبسم ووضع يده اليمنى على صدره كتعبير شكر.
أثناء الوليمة كانت كل واحدة من المدعوات تمدح ابنتها أمام "السعدية" وتعدد صفاتها الجميلة، وحنكتها في المطبخ والعناية بالمنزل. وكانت "السعدية" تعاين بدقة وعزة نفس كل كلمة مما يقلن.
في صباح اليوم التالي، كان "عبد الرحيم" طريح الفراش، وأمه تجول في أرجاء المنزل وبيدها مبخرة لا تكاد تظهر من كثرة الدخان. وبعد انتشار خبر مرضه في الدوار، لم تنقطع عنه الزيارات، فقد صار محبوبا عند الجيران، بعد أن أضحى الآن الموظف الوحيد بين أقرانه. عند كل زيارة كان "عبد الرحيم"، يسمع وصفات غريبة جعلته يقاوم المرض ويتظاهر بالتعافي، قبل أن تبادر أمه بتحضير إحداها؛ فجارتهم حليمة، نصحته بذبح قنفذ، وأخرى وصفت له خلطة من البصل وإكليل الجبل وروث الحمام، يضعها على رأسه، وكثيرات من وفرن عليه عناء تحضير الوصفة وقمن بإحضارها بأنفسهن، والمثير في الأمر، أن الناصحين له، كانوا يصفون مقادير دقيقة، ويشددون على ضرورة احترامها.
انقضى فصل الصيف، الذي قضاه "عبد الرحيم" بين الإدارات والمراكز ووسط الكتب والأوراق، وختمه بعِلّته التي دامت أسبوعا؛ وحلت بداية السنة التكوينية الجديدة، والتحق بطلنا بسرب مربي المستقبل، بأحد المراكز في مدينة ساحلية معروفة. وبعد التسجيل وما يصحبه من طقوس اعتيادية روتينية، كنسخ الوثائق، والتعارف بين الطلبة والبحث عن مسكن، وانتقاء شركاء المسكن... استقر "عبد الرحيم" مع اثنين آخرين من الطلبة، بمنزل متواضع جدا، بأحد الأحياء الشعبية، كان لا يكاد يختلف كثيرا عن "الغار". وبدأ مرة ثانية يلعب دور البطولة في مسلسل المعاناة، لتوفير المأكل والمشرب وما يصحبهما من حاجيات أخرى، خاصة أن المنحة تأخذ أشهرا قبل أن ينفك سراحها.
كان "عبد الرحيم"، يحضر دروسه بانتظام، ويكثف جهوده في العمل مع أصحابه بالبيت؛ أما الدروس والمطبوعات التي يتسابق زملائه لنسخها في المكتبات، فقد كان يختار فقط المهم منها، وحتى المُهم، كان أحيانا يقسمه إلى مُهم وأهم، فيكتفي بالأهم.
صار "عبد الرحيم" مَحطّ أنظار جميع زملائه، فشخصيته الخجولة، وتحليلاته الفلسفية للأمور، كانت تبعث على الضحك أحيانا وعلى الإستغراب أحيانا أخرى. ولكن وسط ذلك الإقصاء الذي كان يشعر به من طرف الآخرين، كانت هناك طالبة هادئة، قليلة الكلام، لا يعرف عنها "عبد الرحيم" شيئا، سوى اسمها... "نادية". كانت "نادية" عندما يبدأ الجميع بالضحك على تعليقات "عبد الرحيم"، تكتفي بارسال ابتسامة غامضة له، وأحيانا أخرى كانت تسانده في آرائه رغم قلة تدخلاتها. وبالرغم من أن هذه الأمور قد تبدو عادية، إلا أن بطلنا كان يرى أن فيها رسائل خفية من طرف الطالبة المحيّر أمرها. وفي كل مرة تلتقي فيها نظراتهما، كانت "نادية" تبتسم بثقة ثم تنزاح عن نظره؛ فيشعر بقشعريرة تبتدأ من فروة رأسه، ويبدأ قلبه بالخفقان. ولكن لغز هذه الفتاة، لم يجعله يتجرأ يوما على محادثتها.
وفي أحد أيام الجمعة، حيث كان الجو مطرا، وبعد انتهاء آخر حصة، غادرت "نادية" تاركة مظلتها الزهري لونها قرب مكان جلوسها، فانهال عليها "عبد الرحيم" انهيال الأسد على فريسته، ثم خرج يبحث عنها، ولكن الطالبة كانت قد غادرت المكان، فبقيت المظلة في عهدة "عبد الرحيم" ليومين متتاليين.
كانت المظلة تعطي حيوية للركن الذي يفترشه "عبد الرحيم" بالمنزل، وكان لونها الزهري المشع يضيء عليه عتمة المساء. كانت مظلة متميزة، وكان بها عطر غريب، منعش، طفولي وهادئ، يُشعر من يستنشقه بالنشاط والرغبة في اللعب والمرح... هكذا كان يصف "عبد الرحيم" الشيء لصاحبيه، وهو ممسكا إياه بيديه؛ وكان يخبرهما أيضا أنه منذ اللحظة التي أمسك فيها بالمظلة، لم يبارحه شعور غريب في معدته، هو كالألم ولكنه ليس مؤلما، ليس بالمغص ولا بالوجع، هو شعور بالإضطراب في الأمعاء، ممزوج بالتوتر وفرحة تقبض الأنفاس في آن واحد. أخبره أحد خليليه أن هذا الشعور يسمى "الفراشات في المعدة"، فراقت "لعبد الرحيم" تلك التسمية، وبدأ مع شريكيه في المسكن، بالتخطيط لكيفية إرجاع الأمانة لأهلها.

يتبع...






tarbiataalim

موقع تربية وتعليم

موقع تربوي يهتم بالشأن التربوي التعليمي بالمغرب، لنشر جديد مؤسساتكم راسلونا : tarbiawataalim@gmail.com

ضع تعليق هنا

0 تعليقات: